محمد فتحى يكتب|القتل بناءً على رغبة الجماهير

محمد-فتحي

تقول الأسطورة إننا شعب طيب..

وتحكى الواقعة القديمة عن عيال صغار ملاعين ينتشرون على رصيف مترو الأنفاق فى محطة جامعة حلوان، تتراوح أعمارهم بين 10 و13 عاماً، وهم ينتظرون خروج البنات من الجامعة، وينتظرون ركوبهن، وينتظرون بداية تحرك المترو فى بطء، ثم فجأة..

يدخل كل منهم يده ليفوز بما يستطيع الفوز به..

يضرب صدر إحداهن، يعطى واحدة منهن قبلة سريعة خاطفة، يبصق على إحداهن، يشد واحدة منهن من شعرها، يمد أصابعه إلى حيث يستطيع الوصول ليقطف ما تيسر له، ثم تزداد سرعة المترو حتى يغادر المحطة، فيضحك العيال، وكل منهم يقص على الآخرين إنجاز هذا اليوم على مرأى ومسمع من الجميع، الذين قد يقول بعضهم على استحياء ممثلاً دور الرجل الكبير: عيب يا ابنى انت اللى بتعمله ده، أو يقول الجملة الخالدة: انتو ماعندكوش إخوات بنات ولّا إيه؟؟، والعيال يضحكون، والبنت التى تم الاعتداء عليها بصورة أو بأخرى تبكى الآن ليظل المشهد محفوراً فى ذاكرتها، وتتعلم ألا تجلس بجوار النافذة مرة أخرى، لأن الأمر قابل للتكرار فى المحطات التالية.

ذات مرة أمسك عسكرى الشرطة بأحد هؤلاء الصبية، فى مرة نادرة، فبكى الولد حتى جذب تعاطف الجميع، وبدلاً من أن يعاقب تدخل كل هؤلاء الذين لا يتحدثون أبداً ليقولوا للعسكرى: حرام عليك، ده عيل صغير. سيبه يا أخى. بلاش أذى يا عم هتضيّع مستقبل الواد، فاضطر العسكرى إلى تركه بعد أن لطشه أحدهم قلمين وهو يخلصه من براثن العسكرى مستطرداً: ما تعملش كده تانى يا ابن الجزمة!!!

والغريب أن الرجل يعرف، والعسكرى يعرف، والولد يعرف، أن الأمر سيتكرر غداً بكافة تفاصيله، لأن العسكرى، ومراقب المحطة، وناظرها، اختاروا أن يطبقوا النظام فى اليوم الذى سيأتى فيه الوزير أو المحافظ للتفتيش، أو الفترة التى نسميها فترة (تقفيل) المحاضر، ليخرجوا بعدد معين يتيح لهم نسبة من الغرامات كما كان يتردد وقتها.

تقول الأسطورة إن فتاة، تكرر الأمر معها كثيراً، فقررت أن تنتقم بطريقة ما، وأمسكت بالفعل بيد أحد الأولاد الذين كرروا ما فعلوا وظلت تصرخ وتصرخ والمترو يتحرك، ويتحرك، وبدلاً من أن تفلتها سريعاً، ظلت ممسكة بها، حتى سقط الولد تحت عجلات المترو التى فرمته تماماً، أما البنت فما زالت تصرخ، ويقال إن الصوت الغريب الذى يسمعه طلبة الجامعة فى المحطة ليلاً هو صوت البنت حين رأت الولد يسقط، ولذلك يحرص طلبة جامعة حلوان دوناً عن باقى الطلبة على العودة قبل مغيب الشمس!!!

أما الناس وقتها، فطالبوا بإعدام الفتاة التى قتلت طفلاً صغيراً، ولم يتعاطفوا معها أبداً.

وفيما بعد سيظل الحال على ما هو عليه، وتعود الحكاية لبدايتها، فيقول الناس حين تتكرر القصة: حرام عليكم، دى عيال صغيرة عملت إيه، وحين تحدث المصيبة، سيصبون جام غضبهم على البنت، وليس على الولد، فيما ستتغير الحدوتة تماماً لو كانت بالعكس..

بمعنى..

أن الولد الذى يريد أن يفعل (شيئاً) مع (البنت) جذبها عند الباب، فسقطت هى لتدهسها عجلات المترو، وحينئذ، ستتغير وجهة نظر نفس الناس بخصوص نفس الولد، فرغم أنه فى الحالتين مخطئ، لكن الخطأ الأكبر أنه تسبب فى (قتل) البنت، ورغم أن البنت فى القصة الأولى محقة، وتصرفت بما تصرفت به بعد أن أعيتها السبل، فإن الجميع سيلومها ويفتك بها لأنها قتلت (العيل) الصغير، رغم أنه ولد مش متربى وابن جزمة، أو كما قال عنه العسكرى..

سيصفق الناس على ما يعتبرونه قصاصاً من الاثنين فى لحظة معينة، لكنهم لن ينزعوا فتيل الأزمة قبل حدوثها، لأننا شعب تعود على التعامل مع المصائب بعد حدوثها، وليس قبل أن تأتى، كما تعود أن يفقد ذاكرة مصائبه بمصائب جديدة أكثر وأشد إيلاماً!!

سيادتك لم تفهم بعد ما أريد أن أقوله؟؟

حسناً.. قليل من المباشرة لا يضر..

ما أريد أن أقوله بوضوح، أن (الحساب) بالـ(قانون) حين يسرى على (الجميع) سينالون (العدل) وربما نمنع (مصائب) كبيرة قبل حدوثها الفترة المقبلة، لأن الوضع باختصار أن (الجميع) يتبادلون دور (البنت) و(العيل الصغير) فيما بينهم، وهو ما ينذر بوضع مرعب يصبح فيه القتل بناءً على رغبة الجماهير الذين فقدوا صوابهم من الجميع، ففقدوا القدرة على الحكم على الجميع، وأصبحوا قوة ضاغطة لتنفيذ حكم غير عادل فى جريمة شاركوا فيها….

اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.