معتز بالله عبد الفتاح يكتب | الحرية وسط بين رذيلتى القمع والفوضى

معتز بالله عبد الفتاح يكتب | الحرية وسط بين رذيلتى القمع والفوضى

معتز-بالله-عبد-الفتاح

سؤال سريع فى السكحاية: ما عكس الكرم؟ وما عكس الشجاعة؟

البعض يظن أن كل صفة أو قيمة أو خاصية لها مقابل واحد يتناقض معها، مع أن الأخ العزيز زميل تختتى «أرسطو» قال فى كتابه عن «الأخلاق» من 2500 سنة: إن الفضيلة وسط بين رذيلتين. وبالتالى لو كان الأخ العزيز المواطن «أرسطو» حياً بيننا، وسألناه عن مقابل الكرم، فلن يقول لنا إن مقابل الكرم هو البخل فقط، لكنه سينظر على يمين ويسار الكرم ليصل إلى استنتاج أن مقابل الكرم فى الحقيقة مقابلان: البخل من ناحية والإسراف من ناحية أخرى.

نفس الكلام بشأن الشجاعة؛ فهى وسط بين رذيلتين: الجبن والتهور.

وكأن الفضيلة هى الاعتدال بين الرذائل المدمرة.

وهنا يأتى الكلام عن الحرية التى هى وسط بين رذيلتين كذلك: القمع والفوضى. كانت هناك حرية منقوصة على عهد الرئيس مبارك، والحرية المنقوصة تعنى قمعاً منقوصاً أيضاً، ولكن ليس من المنطق فى شىء أن يكون البديل عن الحرية المنقوصة هو الفوضى الكاملة. لقد انتقلنا من النقيض إلى النقيض. أى مجموعة أفراد لهم مطالب مشروعة أو غير مشروعة ينتهى بهم الحال إلى غلق أى طريق أو وقف أى قطار أو تعطيل أى كوبرى، وكأن البلد بلا أهل ولا أصحاب.

لذا، ارتبطت الحرية بقيم وقوانين تضمن لها ألا تنزلق إلى البديلين الأسوأ، سواء القمع أو الفوضى.

البعض غضبان من أن قبضة الدولة بدأت تعود، بما يعنى، من وجهة نظرهم، عودة القمع. وأنا غير سعيد أيضاً ببعض الأخطاء، ولكن أعطى الله لأهل هذا البلد نعمة الحرية فحولوها إلى فوضى، ومن لا يعرف قيمة الحرية ويحسن التعامل معها والاستفادة منها فسيعاقب بأى من نقيضيها.

مصر تتحول، وينبغى أن تتحول من حكم الشارع (الشارع قراطية) إلى حكم القانون (القانون قراطية) وواحدة من آليات حكم القانون هى حكم الصندوق (الصندوق قراطية).

ولكن علينا أن نتعلم الدرس؛ لأنه من عجائب النخبة المصرية الشقيقة العميقة أنه إذا وصل أحدنا إلى السلطة بالصندوق نسى الشارع، ومن إذا أجاد الحشد فى الشارع نسى الصندوق. وسواء الصندوق أو الشارع فكلاهما أداة لتجسيد إرادة الأمة، وكلاهما منصوص عليه فى الدستور، لكن الأصل أن الصندوق لاختيار من يحكمنا، والشارع للاحتجاج على من يحكمنا. نحن عكسنا الموضوع: الشارع لاختيار من يحكمنا والصندوق علشان نحتج عليه. وآه يا بلد.

أتمنى أن تكون الانتخابات المقبلة هى نقطة البداية الحقيقية فى فهم أفضل للحرية ولحكم القانون بعد أن جربنا خمس مرات كيف نجعل حكم الشارع فى صراع مع حكم الصندوق.

وحتى لا ننسى وحتى نتعلم.

لقد وقف الشارع بالملايين للاستفتاء على دستور 1971، وهو الدستور الذى عادت النخبة تطالب بتطبيقه فى 2012 بعد أن رفضت تعديله آنذاك معلنةً أنه دستور ساقط وغير قابل للترقيع. وبعد ما الشعب صدق النخبة ووقف فى الشارع بالساعات علشان يقول رأيه فى الصندوق، النخبة العظيمة آنذاك ومعها المجلس العسكرى أعلنت أن «الحقيقة من الأفضل أن نطلّع إعلان دستورى فى 30 مارس 2011».

الجماهير قالت: طيب يا أسيادنا يا «نخبة» يمكن انتم فاهمين أكتر.

النخبة قالت: نعمل انتخابات تشريعية، وتحذر المحكمة الدستورية أمامى فى أكثر من اجتماع من أن صيغة الثلثين للقائمة والثلث للفردى ستكون غير دستورية، وتصر الأحزاب المدنية واليسارية والثورية والمحافظة بإجماع مذهل. وكان سؤالى: طيب لماذا تضعون الحبل حول رقابكم، ما تمشى عدل يحتار عدوك فيك؟

وتنزل الجماهير لتقف بالساعات فى الشوارع من أجل مجلس شعب ثم من أجل مجلس شورى، وبعد ما ينتخبوه. تأتى النخبة الدستورية وتقول: الحقيقة كان فيه غلطة صغيرة أوى، إحنا محتاجين نصححها، وهى أن القانون غير دستورى. عليكم واحد. المرة اللى جاية إن شاء الله نصلح الموضوع ده.

الجماهير قالت: طيب يا أسيادنا يا «نخبة» يمكن انتم فاهمين أكتر.

وتأتى الانتخابات الرئاسية، ويتنافس المتنافسون، وتنزل الناس للشوارع وتقف بالساعات فى الطوابير أملاً فى الوصول إلى الصندوق واختيار رئيس جديد من جماعة كانت دائماً تدعى أنها كفؤة ومضطهدة. نعطيهم فرصة. وبعد ما وصل منهم رئيسهم كان المطلوب منه أن يكون رئيساً للجميع. وقد حاول بالفعل، بدرجة مقبولة من النجاح فى أول ثلاثة أشهر، ثم أبدع ما أبدع، إلى أن خرج قطاع لا يمكن إنكاره من الجماهير عليه، وبدلاً من أن يدير الأزمة ككل رجل دولة منضبط، خرج يذكرنا عشرات المرات: «أنا الشرعية والشرعية أنا». كنت أتابع هذا الخطاب العبقرى مع مجموعة من الزملاء الذين كانوا يضحكون وكأنهم أمام مسرحية، وقال أحدهم بعد أن انتهى من سماعه: «هتوحشنا يا دكتور مرسى». وقد كان. وهنا يأتى ويذهب أول رئيس مدنى منتخب بسبب ظنه أن المؤامرة أطاحت به. ونسى أن السياسة تساوى المؤامرة والمؤامرة تساوى السياسة. النكسة كانت مؤامرة ضدنا وحرب أكتوبر كانت مؤامرة ضدهم. وفى حياة المصريين المؤامرة هى الأكسجين الذى يتنفسونه. المدرس حين يعطى سؤالاً غير متوقع، عند الطلبة أنها مؤامرة. والمدرب الذى يلعب باثنين مهاجمين صريحين بدلاً من واحد، من وجهة نظر الفريق المنافس هذه مؤامرة. السؤال: ماذا ستفعل حين تعرف بالمؤامرة؟

والرئيس الذى يقول له القريب والبعيد لعدة أشهر فى 30 يونيو القادم: ستكون هناك مشاكل عليك أن تعالجها سابقاً، ثم يتم عزله بسبب غفلته، يكون هو من تآمر على نفسه.

وعليه، ترك الرجل منصبه، وها نحن نقول للجماهير مرة أخرى: حظكم وحش، حاولوا كمان مرة.

جماهير مصر ستحاول مرة أخرى أن تفعل ما تفعله شعوب الأرض المتحضرة بأن تنزل للصناديق مرة أخرى. هذا حقها وواجبها. أنا أدعوها للمشاركة فى الانتخابات وأن نتذكر جميعاً كل من ضحى من أجل أن يأتى اليوم الذى نستطيع فيه أن نختار حاكمنا بأنفسنا.

وإلى شبابنا، ينبغى أن تكونوا أصحاب الفخر الحقيقى. الكبار ليسوا ضدكم. هم يعلمون أنكم لا تريدون القمع. ولكن علينا أن نتفق كذلك أننا لا نريد الفوضى. نحن جميعاً نريد الحرية المنضبطة والمسئولة التى لا يكتسبها الناس بسرعة وإنما هى تطور بطىء على مدى زمنى طويل. المهم ألا تيأسوا لأنكم أنتم الأمل.

صلوا من أجل مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.