من سيرة الكاتب الروائي الراحل – محمد البساطي

محمد شعير (كاتب مصري)
عبر 17 رواية و13 مجموعة قصصية شيد الراحل محمد البساطي (1937 – 2010) عوالمه الأثيرة. أكتملت هذه العوالم مؤخرا بنشر «أعماله الكاملة» في ستة مجلدات عن هيئة الكتاب المصرية. صدور هذه الأعمال فرصة لاستكشاف هذه العوالم البسيطة لغة والثرية رؤية وبناء. لغة أشبه بالشعر في تكثيفها وغناها بالدلالات، وانفتاحها على تأويلات متعددة، لغة تهمس ولا تزعق، تومئ وتلهم ولا تبوح. ربما كانت البساطة أيضا سمة مميزة لكتابة صاحب «بيوت وراء الأشجار»، لكنها البساطة الماكرة، الخادعة، لن تجد فيها لغة استعراضية مجازية، أو جملاً مهجورة. كانت لغة «طازجة» كما يصفها، يتلمسها من فم الشخصية، وينفر من كلمات التزيين والتأنق. لغة وصل إليها بعد معركة طويلة اكتسبها من عمله في «الجهاز المركزي للمحاسبات» حيث كانت مهمته مراقبة السجون. وكتب عن تلك التجربة في مجموعته «محابيس» وروايته «أسوار». ساهمت هذه التجربة في تدريبه على كتابة لغة تتسم بالحياد وملتصقة بالواقع لأنّها ابنة التقارير الوظيفية التي كان يكتبها بصرامة وحياد وتتميّز باقتصاد لغوي يرفض الزوائد. أما في سرده الشاعري، فبدا مشغولاً بالتفاصيل. يكتب كأنه يلقي «ضوءاً بسيطاً لا يكشف شيئاً» كما يقول عنوان إحدى مجموعاته القصصية. لكنّ هذا الضوء يكشف الكثير، ويرسم مع المشاهدات البسيطة التي يقتنصها كصياد ماهر، جداريةً عن حياة الناس البسطاء وأحلامهم.
الأعمال الكاملة فرصة أيضا لاستكشاف ملامح مجهولة من السيرة الذاتية للراحل عبر الغوص في مجموعة من صوره الشخصية التي خط خلفها بعض ذكرياته.
كانت الكتابة لدى البساطي «متعة»… وكانت أيضا وسيلة للحماية، الطفل الذي ولد في قرية «الجمالية» إحدى القرى الصغيرة المطلة على بحيرة المنزلة في محافظة الدقهلية، لم تجد والدته سوى أن ترسله للمدينة الكبيرة القاهرة لكي يكمل تعليمه، لأن البديل أمامها أن يتحول إلى زعيم عصابة. وكان بالفعل قد تم القبض عليه أكثر من مرة بتهمة الشغب وتكسير زجاج قسم الشرطة، والقفز على أسطح الجيران، وتعكير السلم العام للقرية. سنوات الطفولة كانت منبعا اساسا لأدبه، لم تغادر شخوص القرية رواياته، كانوا أبطالها، إلا في مرات قليلة اقترب فيها من المدينة، ولكنه كان أشبه بزيارة «الطائر المهاجر»… كانت القاهرة مكانا لعملين من أعماله «ليال أخرى» ويستلهم فيها «ألف ليلة وليلة» ولكن في مدينة، وزمن آخر، قاهرة الستينيات حيث الحكايات السرية للمثقفين، ثم «وسريرهما أخضر» التي تأثر فيها بلغة العهد القديم. في القاهرة لم يتوقف عن هوايته «التجوال»… أو «السياحة الفنية»… خاصة انه كان في غرفته وحيدا، لا شيء يؤنس وحدته سوى الكتب، ومن هنا دخل إلى عالم الكتابة، وعندما كتب قصته «الهروب» (عام 1962) أرسل بها إلى مسابقة «طه حسين للقصة» التي ينظمها « نادي القصة» في مصر، بعد أن استدان ربع جنيه رسوم الاشتراك، ليفاجأ بحصوله على الجائزة الأولى: «ستون جنيها، وميدالية ذهبية (بحجم قرص الطعمية) محفوراً عليها اسم عميد الأدب العربي طه حسين، وفوق ذلك مقابلة جمال عبد الناصر الذي سيسلم الجائزة في احتفال الدولة بعيد العلم الذي سينقله التلفزيون». ثلاث جوائز لم يتوقع أيا منها، واهتمام إعلامي به، وهو لم ينشر بعد أيا من قصصه… حكى: «كادت تصيبني لوثة عقلية، حتى أن أحد الصحافيين سألني وقتها قرأت طه حسين فأجبته طه حسين مين؟ ما فيش حد له قيمة في نظري». والمدهش أن الشاب الذي حصل على المركز الرابع هو أسامة أنور عكاشة (السيناريست الشهير في ما بعد)… بينما لم يستمر في الكتابة صاحبَي المركز الأول والثاني… لم يحتفظ البساطي بصورته مع عبدالناصر… فقد حاول أحد المصورين أن يبيعه الصورة بـ 2 جنيه وقتها، ولكنه رفض أن يدفع له… وهو ما ندم عليه بعد ذلك.
حكاية البساطي والجائزة تكشف عن جانب هام من سمات كتابته: تلك السخرية التي يخبئها دائما خلف خجل ريفي: «كنا أيامها مفلسين، وكانت قيمة الجائزة كفيلة أن تصيبنا بالجنون، استطعت بربع قيمتها فقط أن أكوّن مكتبة ضخمة تضم كل أعمال الكتاب الكبار، وقتها استقبلتني أمي بالزغاريد، ونشرت صورتي في كل الجرائد وفتحت لي أبواب المجلات، وربما أكون أنا الكاتب الوحيد الذي لم يعان من مشكلة نشر في ما بعد». ولكن مجموعته الأولى تأخرت في الصدور بعد هذا الحدث ست سنوات كاملة (صدرت الكبار والصغار عام 1968) يتذكر: لم تكن ستصدر، كادت بعد نشرها أن تفرم. يحكي حكاية أخرى أكثر إثارة: «قدمت المجموعة لدار الكاتب التابعة للدولة وكان يرأس إدارتها الناقد محمود أمين العالم، وبعد أن طبعت الرواية ذهبت فوجدتها منشورة وأخبروني أنها ستطرح لدى باعة الجرايد بعد يومين، أخذت أتردد على بائعة الجرايد لأكثر من أسبوع ولكن لم يحدث شيء، ذهبت مرة أخرى إلى الدار فأخبروني هناك أن قرارا صدر بـ«فرم» كل الكتب التي تمتدح الصهيونية». صرخ البساطي: «يا نهار أسود… كتابي يدعو إلى الصهيونية»… حاولت أن ألتقي بالعالم، ولكن لم أستطع، يومها كنت أعرف عبد الفتاح الجمل فجعلني أكتب في الملحق الأدبي لصحيفة المساء مقالا بعنوان: «رسالة إلى وزير الثقافة ثروت عكاشة» وكانت هذه أول وآخر مرة أكتب فيها مقالا. وفوجئت بأمين العالم يستدعيني لمقابلته ويسألني: لماذا لم أخبره بالأمر بدلا من كتابة المقالات في الصحف؟ قلت: «حاولت ولكن رفض الموظفون أن أقابلك. فأخبرني انه قرأ مجموعتي القصصية بنفسه، وليس فيها أي شيء، واعتذر بأننا في حالة طوارئ بسبب الحرب مع إسرائيل».
بعد عام واحد اضطر البساطي أن يلتحق بالجيش، له صورة وحيدة كتب خلفها:« 1963 – صورة معبرة عن غباء البشرية الذي لم ينته بعد. صورة الإنسان الذي تعذبه حيوانية المستبدين والغوغاء. صورتي وانا في أبأس أيام حياتي. أيام شعرت فيها انني أعامل كحيوان، حيوان لا غير… إلى متى؟ إلى متى؟»
المفترق الحاسم في تغيّر مفهومه للكتابة، كان اكتشافه تشيخوف وتولستوي: «اكتشفت بأنّ كتاباتهما أعمق وأغنى بكثير من كتابات الذين جاءوا بعد الثورة الروسية. ومعهما اكتشفت أن المنطلق السياسي يأتي دائماً مع احتساب العمل الفني، وأنّه يمكنك أن تدين اللحظة التي تعيش فيها عبر التركيز على الهمّ الاجتماعي». والمفترق الآخر الحاسم في عالم البساطي كان الإقامة في أسوان عندما نُقل ليعمل هناك: «كنت في القاهرة أتهيّب الإقدام على كتابة الرواية. كانت القصة القصيرة أنسب، لأننا نستطيع من خلالها أن نلاحق الأحداث، كما يمكننا أن نعرف آراء النقاد بشكل أسرع. في أسوان وجدت نفسي في عزلة، لا صحف ولا أصدقاء. قلت لأنتهز هذا الموت الكامل وأكتب رواية. هكذا، كتبت «التاجر والنقاش»، وبعدها أدركتُ أن كتابة الرواية ليست أمراً شاقاً كما كنت أتصور».
ربما كان البساطي الكاتب الوحيد في جيل الستينيات المصري الذي لم ينضم إلى أي تنظيم سياسي (فوق الأرض أو تحتها)، على رغم أواصر الصداقة التي ربطته بمعظم رموز هذا الجيل المسيّس. فسر الأمر بأنه يؤمن بأن يكون الكاتب حراً، لا يتقيّد بأفكار ورؤى تنظيم ما. كان يقول دائما: عرفت اثنين من «بتوع» التنظيمات. غالب هلسا وإبراهيم فتحي. استفدت منهما في معرفة الكتب التي ينبغي أن أقرأها، فقرأت ماركس وإنجلز وآخرين… أما نقاشاتهما، فكانت تثير الضحك».
كانت معركة البساطي عبر كل أعماله مع اللغة، الصفحة الأولى، كما يبدو من الاطلاع على مسودات رواياته وأعماله. هي الأصعب في الكتابة. خلالها تتحدّد زوايا الرؤية وإيقاع العمل عينه. اللغة ليست معركة كما يقول «لأنها جزء من شخصية الكاتب، والحذف والاختصار أيضاً». لكن ماذا يفعل حين يكتب مشهداً جيداً لكنّه لا يتوافق مع إيقاع العمل، لا يحذف العمل، وإنما ينحيه جانبا كقصة قصيرة… وقد يكون المحذوف مدخلا لرواية أخرى… ومن هنا ترك البساطي قصـصا كثيرة (بقايا من أعمال روائية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.