نوارة نجم تكتب| حسبى الله ونعم الوكيل «2»

نوارة نجم

من أمارات الفشل الذى أشرت إليه، أمس، إصدار قانون تقنين قتل المواطنين، المسمى بقانون التظاهر. هذا القانون الذى إن دلّ على شىء فإنما يدل على الإمعان فى الفشل، واتخاذه كمنهاج يسير عليه القائمون على الأمر.

ربما يدفعهم إلى اقتراف المزيد من الحماقة، أولئك الذين دائمًا يتهمونهم بأن أيديهم مرتعشة، وأنا مش فاهمة إيه حكاية الأيدى المرتعشة دى؟ يعنى يقتلوا كام عشان تبقى إيديهم مش مرتعشة؟ كم من المعتقلين يجب القبض عليهم؟ كم من الأحكام الجنونية التى وصلت إلى حبس شباب 17 عامًا فى جنحة وحبس فتاة أربع سنوات لأنها كانت تسير فى تظاهرة؟ وأخيرًا تفتّقت الأذهان العبقرية والألباب الفهيمة عن استصدار قانون يشرع إطلاق الخرطوش والرصاص على المتظاهرين! ولا أدرى إن كانت هذه الخطوة تهدف إلى الحد من التظاهر أم إلى حشد الشارع بالمظاهرات وشراء عداوات كل الأطياف التى كانت تحجم عن النزول إلى الشارع خوفًا من ركوب الإخوان عليها، فما كان من ملوك الطوائف إلا أن أرسلوا إليهم رسالة مفادها: انزل يا بنى انت وهو.. كده خسران وكده خسران! حتتسخط تبقى إيه يعنى؟ توفيق عكاشة.

قابل أحد ضباط الجيش زوجى مصادفة، وقال له: خلّى نوارة تخف علينا شويّة، إحنا بيموت منا كتير قوى أكتر بكتير من الأعداد اللى بنعلنها، وبنعمل اللى نقدر عليه، ومش بنقول على خسايرنا عشان الروح المعنوية.

أنا أَخِف؟ أَخِف أكتر من كده إيه؟ ده أنا بقيت ريشة فى مهب الريح العاتية التى تجتاح البلاد. مَن منا يريد القتل لضباط الجيش وجنوده؟ لكن السياسات المتّبعة ستزيد من عدد القتلى ولن تحد منها، وقد أشرت عدة مرات إلى ضرورة اتخاذ إجراءات تبتعد عن الحلول الأمنية، خصوصًا فى التعامل مع مَن لم يقتل أو يدمّر، لكنه مقتنع بآراء، لا تعجبنى شخصيًّا، إلا أنه فى نهاية الأمر صاحب رأى وفقط. وقد كتبت قبل ذلك سلسلة بعنوان «النصيحة واجبة قبل القلبة»، وقلت إن الحلول الأمنية ستدفع الناس دفعًا إلى نسيان كل جرائم الإخوان التى اقترفوها على مدى عام ونصف العام، ولن يذكروا منهم سوى القتلى والمساجين، وقلت إن الإعلام الاستقطابى الجوبلزى سيؤدّى فى النهاية إلى إصابة الناس بالغثيان الجماعى، وقلت إن المداحين هم مَن أوردوا مبارك ومرسى موارد التهلكة، وقلت إن اعتماد التخوين لكل ذى رأى مخالف يشبه كثيرًا اعتماد التكفير الذى انتهجته الجماعة طوال فترة حكمها، وقلت إن المظالم التى قامت عليها دولة مبارك هى التى أوصلت جماعة الإخوان إلى الحكم، ولم يكتشفهم الناس على حقيقتهم إلا حين رفع عنهم الظلم، وقيل لهم: الحكم أهو.. اتفضّلوا! فطفقوا يحدثوننا عن القرد والقرداتى، ويدفعون بجحافلهم لضرب النساء وتعذيب الناس وتلفيق التهم وإتيان كل فاحشة مورست ضدهم فى عهد مبارك، فلفظهم الناس طواعية، دون الحاجة إلى قانون إرهاب أو قانون تظاهر، أو إعلام التطبيل والتهييج، أو كل السياسات المتّبعة والتى تشعر عددًا لا بأس به من الناس بأنهم أكلوا على قفاهم للمرة الألف، وأنه يتم استخدام عنوان «الحرب على الإرهاب» لسلبهم حريتهم، ومكتسباتهم التى بذلوا من أجلها الدماء والأعين، خصوصًا مع تجاهل احتياجات الناس، وشعورهم الدائم بالمرارة، وبأنهم لا يكافؤون، بل على العكس، تتم معاقبتهم عقوبة جماعية سواء صبروا أو نفد صبرهم، تحركوا، أو سكنوا، رضوا أو تبرّموا، وأخيرًا يصدر قانون لا يحظر التظاهر فحسب، بل يعطى قوات الأمن شرعية القتل وفقء الأعين، وكأن الداخلية كانت تنتظر قانونًا كهذا لتقتل وتصيب. هذا قانون لا يعطى الداخلية حقًّا تمارسه بالفعل، بل هو رسالة إلى جموع الشعب: اللى حيتقتل مالوش ديّة عندنا، ومطرح ما تحط راسك حط رجليك، وفوكك بقى من موضوع القصاص اللى كلت دماغنا بيه ده. طيب ليه الشر ده؟ ولماذا كل مَن يحكم مصر يصعد على سلم ثم يدفعه بعيدًا، فالإخوان صعدوا على سلم الديمقراطية ودفعوه بإعلانهم غير الدستورى الذى أفقدهم شرعيتهم، والسلطة الانتقالية الحالية صعدت على سلم التظاهرات ثم تدفعه بعيدًا.

طب نصيحة بقى، ولا أسأم من ترديد النصيحة حتى ألقى الله: حين يريد شعبًا أن ينزلك من فوق قمة رفعك إليها، سينزلك مهما اتخذت من احتياطات، فمن الأفضل لك إذن أن تحتفظ بالسلم الذى صعدت عليه حتى تنزل من فوقه بكرامتك، خير لك من أن يتسلّق الناس قمتك ويدفعونك من شاهق فتلقى مصير كل مَن دفعوا السلم بعيدًا، وسلامة جدور رقبتك.. آه والله زمبؤلك كده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.