نواره نجم تكتب| غطينى يا صفية

نوارة نجم

ومن أقنعك أن الشعب المصرى شعب مجرم بطبيعته؟ وهل كان التفويض على القتل العشوائى والاعتقالات العشوائية، والاستعانة بتقارير أمن الدولة القديمة المتهالكة؟ لو أن أمن الدولة كفء ما قامت الثورة، ولو أن أمن الدولة لا يقبض إلا على المتهمين الحقيقيين، أو يقبض على أغلبهم، ما تمكن الإرهابيون الحقُّ من الوصول إلى الحكم بانتخابات والمكوث فى سدته لمدة عام.

الناس الآن يسيطر عليها الفزع والخوف والغضب والتشبث بآخر أمل لهم، مما يجعلهم لا يقبلون بانتقادات توجه للحكم الانتقالى الحالى، لكن هذا الحال لن يدوم كثيرا، وفى ظرف أقل من شهرين من بداية هذه اللحظة، سيبدى الناس تململهم وتأففهم، ولن يقبلوا باستمرار الحال على ما هو عليه، وسينقلبون على الوجه الآخر، وأنا هنا لا أهدد لأننى لا أملك شيئا، من أمرى أو من أمر غيرى، وإنما أنبه، ولا أريد الفشل الثالث، لأننى بصراحة زهقت وتعبت.. أريد أن أرى شخصا واحدا يصل إلى حكم مصر، أو يشارك فيه، ويخاف الله بحق، وبقدر ما يحدثنا عنه وعن مخافته منه. كل الناس بتتكلم عن ربنا.. ومافيش حد بيراعيه؟

سواحل كفر البطيخ تقع فى دمياط، قرية فقيرة ومهمشة، يعمل أهلها بالصيد والنجارة والزراعة، وملحقات الزراعة، من صناعة ألبان وما شابه. وأغلبهم يعمل فى الثلاث مهن ليسد احتياجاته واحتياجات أسرته التى عادة ما تكون كبيرة. فى عهد مبارك عمد أمن الدولة على القبض العشوائى والمستمر على أبناء هذه القرية، بما أنهم فقراء، ومهمشون، وليس لهم من يهتم بهم.. يعنى، ناس كويسة ورخيصة وبنت ناس، نعرف نلبسهم أى قضية نتزنق فيها. أعرف منهم نفرًا من الناس، الذى حتى لم يفلح أمن الدولة فى تلفيق قضية له، فطفق يجدد له أمر الاعتقال، الشهر وراء الشهر، حتى أكمل بعضهم 15 سنة، أو عشر سنوات، أو ثمانى سنوات على الأقل، تحت الحبس الاحتياطى.

ثم قامت الثورة، وخرج الناس مع من خرجوا، خرجوا بعلم الدولة وبأمرها، ولم يهربوا، ومنهم من خرج فى عهد مبارك ذاته، مثل إبراهيم شحاتة الذى منح عفوًا صحيا لأنه يعانى من الأمراض الآتية: تليف فى الكبد، تضخم فى الطحال، ارتجاع فى المرىء، دوالى فى المعدة، والتهابات فى مفاصل الركبة، ويعانى من أزمة قلبية، أزمة صدرية، يصحبها إغماء، وحيث إنه أجريت له سابقا عملية جراحية كبيرة، وهى استئصال نصف القولون وجزء من الأمعاء الدقيقة وكانت هذه العملية نتيجة اعتقاله سابقا لمدة 8 سنوات تنقل فيها فى كل سجون مصر وتدهورت حالته الصحية نتيجة ما لاقاه من التعذيب. ومنهم نجيب عبد الفتاح إسماعيل الذى فقد أسنانه كلها فى الحبس الاحتياطى لمدة 15 سنة، وكلما تعلق ذووه بالأمل بأنه سيخرج بعد انتهاء مدة الاعتقال، يجدد له الاعتقال، حتى بلغ الأمر أن ضباط الشرطة فى مديرية أمن دمياط، بكوا بكاء مريرا، فى مرة من مرات تجديد حبس نجيب.. ضباط شرطة، من اللى كفهم مقاس 45 دول.. بكوا من فرط الظلم الواقع على هذا الرجل المتهالك، ثم أخيرا خرج فى عهد مبارك.

لكن فى يوم 24 أكتوبر، قامت مدرعات الأمن باقتحام سواحل كفر البطيخ، واقتحمت البيوت عنوة، وأفزعت الأطفال والنساء، وأطلقوا النار فى الهواء، ثم قامت القوات الخاصة، بحرص شديد وبحرفية بالغة، بإلقاء القبض على ثمانية، منهم هذا الشخص المشار إليه أعلاه والذى يستحق عن جدارة جائزة نوبل فى الأمراض، ونسيبه نجيب عبد الفتاح إسماعيل، وغيرهما ممن لا تختلف حالته عن حالتهما، وتم وضعهما فى معسكر فرق الأمن، ووضع المتهمين فى معسكرات الأمن عادة جديدة اتخذتها الداخلية الفاشلة، التى لا تفلح سوى فى قتل الأبرياء وتلفيق التهم للمرضى والعجزة، ولم يبق إلا أن تقيم للمعتقلين أفران غاز.

لا أعلم سبب قيام الداخلية الفاشلة باعتقال هؤلاء المساكين، الذين كانوا يكرهون جماعة الإخوان ولا يداهنونها وهى فى الحكم، لكن ما كتب فى الصحف أنه تم القبض على «خلية التكفير والهجرة» ويبدو أن الداخلية تنتوى تلفيق تهمة الاعتداء على الكنائس لهؤلاء المساكين بما أنها فشلت فى إيجاد الفاعلين الحقيقيين فى كل من: «القديسين»، تفجير موكب وزير الداخلية، الهجوم على مبنى المخابرات، وأخيرا الهجوم على كنيسة الوراق، فقررت أن تسترخص لها شوية مواطنين كده تبهدلهم.

لو اللى قبلكوا واللى قبل اللى قبلكوا فلحوا يبقى انتوا تفلحوا.

المصدر جريدة التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.