وائل عبدالفتاح يكتب | عقلية فاروق

وائل عبدالفتاح يكتب | عقلية فاروق

وائل-عبد-الفتاح

ببساطة لأنها عقلية لم تمُت…

ولأن هناك احتياجا إلى بضاعة المخابيل ورواة الخزعبلات… من الشيخة ماجدة التى تحدثت عن الجنود الذين رأتهم يخرجون من البحر إلى ميدان التحرير… وحتى المذيع الذى حكى بكل ما يمتلكه من خيال تربى على الأساطير البلهاء… عن أسْر قائد الأسطول السادس.

الخيال وليد عقل السلطة الذى ينكر قدرة الشعب/ الشعب وحده على الثورة عليه…

إنكار يبرر سقوطه بالمؤامرة… ويحمى استمراره بالمؤامرة. اكتشفت أن هذه عقدة الديكتاتور المصرى… عندما عثرت على مقتطفات من مذكرات الملك فاروق… نعم فاروق ورغم شبكة القوى الأجنبية التى أقام عليها عرشه… لم يرَ الثورة إلا مؤامرة من الأجانب… ربما لأنه رأى أن المصريين لا يمكنهم وحدهم الثورة عليه.

فى الحرب العالمية الثانية راهن الملك فاروق على الهر الألمانى. لم يكن معجبا بهتلر. لكنه كان يريد التخلص من الأسد الإنجليزى العجوز الرابض على نفسه. ولم يكن قد ظهر فى الأفق بعد النسر الأمريكى بجناحيه الأنيقين: الحرية والقوة الاقتصادية. الرعب الحقيقى لفاروق كان من الشيوعية. فى سيرته التى نشرتها صحيفة تابلويد إنجليزية هى «إمباير نيوز» كتب الملك فاروق تصوره للسيناريو الذى سيتم بعد رحيله: «ترزح مصر الآن تحت وطأة ديكتاتورية، وسوف يتشبث نجيب بالسلطة كاملة، ولن يسمح بأى حرية، ولذا سوف تتفجر القلاقل والمظاهرات، وسوف تهاجم ممتلكات الأجانب، وحينئذ سوف تتحرك الحراب البريطانية والأمريكية، وسوف يطرب الشيوعيون أشد الطرب وسوف تتحول مصر إلى كوريا أخرى، وسوف يتحسرون على الملك الذى كان الركيزة الوحيدة ضد الشيوعية فى الشرق الأوسط». فاروق فى سيرته يقدم تفسيرا عجيبا من واقع هذا الهوس بالشيوعية يقول: «وقبل أن يأتى الروس إلى بلادى لم يكن الإخوان المسلمون خطرا بأى حال، كانوا مجرد متعصبين دينيين فقراء، وما إن جاء الكرملين حتى امتلأت جيوبهم بالمال وأصبح فى إمكانهم أن يخرجوا من الجحور، وأن ينشئوا جرائد وأن يزرعوا جواسيسهم فى المواقع الرئيسية، وأخيرا نجحوا فى القيام بالانقلاب».

والعجيب أنه يرى أن: «.. الإخوان المسلمون اغتصبوا السلطة التى كانوا يتحرقون إليها، ولكن سوف يبدأ توزيعها على الشيوعيين».. ويقول أيضا: «.. سوف يزحف الشيوعيون فى المرحلة القادمة على السلطة، وتدعو جريدتهم المعارضة لإلغاء النظام الملكى…».. «وإذا سئلت من هم الرجال الذين يقفون وراء نجيب؟ أجبت بأنهم أعضاء المكتب السياسى السرى للإخوان المسلمين، وتقوم بتمويلهم السفارة الروسية فى القاهرة».

هل كان الملك لا يعرف المسافة السياسية بين الشيوعيين والإخوان المسلمين؟!

هو يعرف فقط أنهما بالغريزة أعداء عرشه، بل إنه يضع كل الأعداء فى قائمة واحدة: كلهم شيوعيون… كما تخيل الملك… الذى يرى أيضا أن: «.. الانقلاب المحكم التدبير الذى كلفنى عرشى، لم يدبره أو يخططه نجيب على ضوء شمعة فى خيمة فى المعسكر. ولكن دبره وخططه بكل تفاصيله مجموعة من الخبراء العسكريين الأجانب. وإذا سئلت لماذا قررت السفارة الروسية الإطاحة بعرشى؟ أجبت لأنهم يخططون لأن تصبح مصر كوريا الثانية. وأن يمد لهم بساط أحمر وينحنى لهم المصريون والبريطانيون والأمريكيون وهم يستولون على الشرق الأوسط ثم أوروبا، والذين يخشون الحرب القادمة يجب أن لا يبقى لديهم أى وهم بأن الحرب قادمة… بل إنها قائمة الآن، وأذكر أننى توسلت ذات يوم للسفير البريطانى لكى لا يعترف بروسيا ولكنه قال لى: لعلك لا تعلم أنهم حلفاؤنا.. وهذه هى النتيجة!!».

هذه السيرة كتبت بعد وقت قليل من الإطاحة بفاروق، الذى حاول هنا أن يحصل على بطاقة جديدة يعود بها للعب الدور المهم للإنجليز والأمريكان. إنه يريد فرصة ويقدم نفسه. ولا يريد أن يخرج من الملعب هكذا وحيدا. يموت فى بار إيطالى بجانب عشيقته.. لتبقى سيرته مطرزة بالمغامرات مع النساء من الفاتنة الغامضة كاميليا، إلى سامية جمال، مرورا بالأميرة فاطمة طوسون، التى طاردها ورفضته وتزوجت فى البرازيل… وبينهن كثيرات من زائرات السرير الملكى الذى كان صاحبه يعانى أزمة هرمونات.. يبدو معها طفلا معذبا عنيفا.. لا يمتلك إلا القدرة على الاستعراض!! انسحب الملك فى استعراضه الأخير. وسط دهشته الداخلية… لكن عقليته ما زالت حاكمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستور الاصلى

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.