وائل عبدالفتاح يكتب | كيف انتهى التاريخ العاطفى؟

وائل عبدالفتاح يكتب | كيف انتهى التاريخ العاطفى؟

وائل-عبد-الفتاح

سألتُ قبل وقت قليل من نجاح وتعثّر مفاوضات الهدنة: بعيدا عن القدس «عروس عروبتكم» و«لبيك غزة».. كيف يمكن أن تتحمَّل كمواطن مصرى (خالٍ من الأيديولوجيا/ باحث عن حياته/ مؤمن إلى حدّ العبادة بالدولة التى تعيش تحت حمايتها الفولاذية) كيف تتحمَّل هجوم جيش عنصرى/ توسعىّ/ استيطانىّ على حدودك؟ كيف تقبل الموت الوحشى بالقرب منك إلى هذا الحد؟ كيف تقبل بالتواطؤ ولو بالصمت مع كيان يرتكِب جرائم إنسانية ليرسّخ وجوده؟

هل يمكن إدراك أن الناس بعد التجارب الأليمة مع النازية والفاشية وكل الدول القابضة على كل شىء، لا تختار انحيازاتها على أساس البحث عن دور أو استعادة زعامة، لكن على أنه لكى تعيش إنسانا لا يمكنك قبول الجريمة ضد الإنسانية، لأنك ساعتها تكون قادرا على التواطؤ مع المجرم؟ هكذا لم تمر حرب غزة دون أسئلة.. لم يكن مجرد إعادة تدوير للعجز واليأس.

خَفَتَ الحضور الأيديولوجى واختلط العاطفى بالسياسى إلى حد كبير، فكان الأمر أكبر من تعاطف أو حزن عادى، واقترب من أن يكون تأملا للذات فى ظلال مذبحة، نشمّ فيها رائحة شواء اللحم الفلسطينى، لا كليشيهات من التاريخ العاطفى، ولا استعراضات من أرشيف الحنان المصرى على غزة، كما لم تعد البراجماتية سندا كافيا.

وصلت الرائحة مع ابتذال الخطابات القديمة وهزيمتها فى مواجهة الهيستيريا الجماعية فى مصر..

الهيستيريا عطَّلت الابتذال أو القدرة عليه لا أكثر، بعد مرحلة بدت فيها أغنية شعبان عبد الرحيم «باحب عمرو موسى.. وباكره إسرائيل» قائدة الوجدان المعادى لإسرائيل. فى موت معلن لخطابات الحشد الأيديولوجى، التى كانت خليطا من خرافات وأساطير الأنظمة والتيارات التى تلعب لعبة الهويات.. هذه الخرافات تشغل الجزء الأكبر من العقل بعد تحويله إلى «مخزن كليشيهات»، يستعيض بها عن التفكير، وتكوين تصورات للحياة والإنسانية.

ولهذا ستجد مَن يهتفون ضد إسرائيل (عدوة العرب والإسلام)، بينما يتحالفون مع مواقفها من قبيل الأمر الواقع، أو من قبيل أن المشكلة فى أبناء القبيلة (الفلسطينى باع أرضه/ والعرب خونة/ وحماس قتلتنا)، وهذه الخرافات تمثِّل التهتك الأخير لشعارات قادت الصراع من أجل تحرير فلسطين خلال السنوات الأخيرة.

المسافة ليست جديدة، ومستمرة منذ أن استقر فى الوجدان الشعبى المستسلم لجرعات «البروباجندا» الموجَّهة من النظام السياسى أن «إسرائيل عدو».. يجب أن نتعايش معه لأننا «أضعف منه»، أما الأخ والشقيق الفلسطينى فيجب الحذر منه لأنه لا أمان له.. الجرعة زادت وانفجر تأثيرها طبعا مع علاقة «حماس» بـ«الإخوان»، وانتشار الرواية الملعونة التى بدأت هلوسة على لسان الشيخة ماجدة، لكنها اتخذت منحنى آخر فى شهادة عمر سليمان، ثم تحوَّلت إلى رواية مدفوعة من الكواليس السرية بماكينات دعاية ضخمة لتثبت أن الثورة مؤامرة، والإخوان «أعداء».

ولأن العدو القريب، فى أعراف العَجَزة وقليلى الحيلة، أوْلى بالعنف والعدوانية فقد تعامل المصريون مع «الإخوان» كما تعاملوا مع إسرائيل، تقبَّلوا المذابح والمطاردات وكل ما يليق بالأعداء.

و«حماس» بالطبع نالها من العداء الجانب الأكبر، فقد كانت «الذراع الضاربة» و«الجنود السرّيين» الذين حاربوا من أجل احتلال الإخوان للسلطة، واحتلالهم هم سيناء، كما تقول الخرافات المؤسسة للرواية الملعونة التى تنكر قيام الشعب ضد طاغيته، وتستبدل بها مؤامرة تسرّب فيها عناصر من حماس «فى ظل قبضة دولة تعيش بأجهزتها الأمنية والمخابراتية»، لتثير الفوضى وتفتح السجون فى جهات مصر الأربعة وتقتل الثوار لتشحنهم ضد الدولة.

هذه «الفانتازيا» التى قيلت للتسلية من العقل المتبقّى من زمن الرئيس «مورايك»، لها حضور مؤثِّر وداعم لانتصار «الرواية البيروقراطية» فى مصر على التاريخ العاطفى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.