وائل عبدالفتاح يكتب | لماذا نسيناهم ؟

وائل عبدالفتاح يكتب | لماذا نسيناهم ؟

وائل-عبد-الفتاح

ربما لا تعرفهم.. ولا تريد أن تتذكرهم.

لكن أين تضع صورتهم؟

أنا لا أتحمل صورة طابور أسرى مصريين بالملابس الداخلية تحت شمس تلك الظهيرة الحارقة فى يونيو ١٩٦٧…. طابور من جنود يرفعون أيديهم فوق الرؤوس المنحنية وبعد قليل سيقودهم جنرال إسرائيلى إلى حفرة وهم أحياء..

كيف نسيناهم؟ كيف استطاعت الأنظمة السياسية تمويت الإنسانية بالتدريج إلى أن تمر هذه الصورة دون وخزة فى ضمير أو حياة أو ما تبقى من إنسانية بعد سنوات الاستبداد الطويل؟

الذاكرة هنا ليست من أجل أخذ الثأر أو إشعال مكامن الوطنية الباردة/ ولكن من أجل التأكيد على قيمة الإنسان ووجوده وكيف تعيد قصته دفاعًا عن إنسانيته وحماية من جرائم جديدة.

وأتذكر هنا جيدًا ما حدث فى فبراير 2010 عندما اقتحمت آلة حفر عملاقة المدرسة الثانوية الصناعية للبنات. أصيب أهالى قرية أبو عطوة بالدهشة، لأن الأمر تم تحت ستار السرية والتكتم وبرعاية أجهزة أمنية أيقظت مدير المدرسة من النوم.

الدهشة تحولت إلى غضب مكتوم عندما انكشف سر التنقيب فى ساحة المدرسة التى تبعد ٣ كيلومترات عن مدينة الإسماعيلية إحدى مدن قناة السويس. إنهم إسرائيليون يفتشون عن رفات جنودهم فى واحدة من معارك الدبابات فى حرب أكتوبر ١٩٧٣.

نواب البرلمان عبروا وقتها عن الغضب ببيان عاجل يطالبون فيه بوقف الحفر وتدخل مبارك (الرئيس وقتها) لوقف التنقيب حتى تتم المعاملة بالمثل.

حملة التفتيش أيامها عن الرفات أيقظت شعورًا مفرطًا بالإهانة.. واعتبرت أنها اعتداء على السيادة الوطنية ما دامت إسرائيل لا تسمح بالبحث عن رفات الأسرى المصريين أبطال الصورة فى 1967؟

الأسرى جرح مصرى مسكوت عنه. خصوصا بعدما كشف فيلم وثائقى تفاصيل عمليات قتل الأسرى المصريين ودفنهم أحياء، ثم تحويلهم إلى قطع غيار بشرية. وحدة «شاكيد» التى نفذت العملية طهرت روحها بالاعتراف الكامل عن جريمة حرب لم يتحرك المسؤولون فى النظام من يومها إلى الآن لإجراء محاكمة لمرتكبى الجريمة، وعلى رأسهم بنيامين بن إليعازر الذى كان وزيرًا للصناعة والتجارة أيام البحث عن الرفات الإسرائيلى فى الإسماعيلية.

البحث عن الرفات جزء من العقيدة الإسرائيلية السياسية والدينية. يبحث اليهود عن اليد والفم فى رفات الميت استعدادًا للبعث والقيامة. وسياسيا لا تترك الدولة والمجتمع قتلاها من أجل الدولة بعيدًا عن أرض الميعاد، ويمكنها أن تستبدل رفات قتيل واحد بمئات الأسرى. يشترون ذاكرتهم بحياة الأعداء.

أين هى العقيدة أو الثقافة التى وراء نسيان «جريمة حرب» ضد جنود مصريين؟

الدولة كلها قامت على سر تاريخى.. قالت العصابات الصهيونية إنه وعد إلهى بالعودة إلى أرض الميعاد.. ووعد بإعادة بناء الهيكل للرب… الذاكرة عنصر أساسى فى هذه التركيبة… انتقل إلى السياسة ولم يُنسَ فى لحظات السِّلم مع الأعداء.

الرفات هنا هى وصل بين الماضى والمستقبل، والعثور عليها هو مد الجسور بين الأجيال المدافعة عن إسرائيل، وهو ما يشعر المصريون بغيابه.. غياب أهمية الفرد وحياته. لماذا لم يعاد تضميد جراح أسر المدفونين أحياء؟ لماذا تذهب أرواحهم ويتحولون كما فى ساعتهم الأخيرة إلى استعراضات ألم دائم؟

لماذا يتعامل الحكام ذوو الأصول العسكرية مع مثل هذه الحكايات الرمزية بعقل موظف يعتبر أن الحكمة هى «غض النظر» عن قضايا قد تغضب الأطراف الأخرى…ولم يتعلموا مثلا أن اليهود ليدافعوا عن وجودهم الإنسانى لم يدخلوا فى حرب مع الألمان، لكنهم لم ينسوا الهولوكست؟.. حوَّلوها إلى لعنة لا ينام بسببها الألمان ويعتذرون ليل نهار.

بينما طابور الأسرى المصريين ما زال مجرد وخزة موسمية… مجرد وخزة فى جسد شبه ميت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.