وائل عبد الفتاح يكتب | مشاهد أخرى من رحلة كردستان

وائل عبد الفتاح يكتب | مشاهد أخرى من رحلة كردستان

وائل-عبد-الفتاح

أحكى مشاهد من رحلتى إلى أربيل 2007، وكلى أمل أن تحفّز إلى معرفة أعمق بالأكراد لا أن تظهر روايات محفوظة من كتاب الاستبداد الطويل الذى ارتكب مذابح وحشية باسم هويات قاتلة.

الذبح على الهوية وباسمها هو الاستعراض الذى نراه اليوم فى «داعش» لكنه بدلا من راية القومية العربية وانتصار العروبة فإن الداعشيين يعلنون دولة الإسلام على تلال الجثث المذبوحة بالسكاكين ويبتسم القتلة كما ابتسم قتلة سابقون صعدوا على أكتاف الجماهير، وأياديهم تقطر منها الدماء.

1

سؤال الأكراد عن علاقتهم بإسرائيل يصبح مثل الهواجس يتكرر فى كل لحظة طوال الرحلة، ويكون الرد عليه: هل رأيت عَلَم إسرائيل هنا؟ إنه مرفوع على النيل فى مصر. وفى أماكن كثيرة فى الأردن وقطر. نحن لا نحتاج إليه ولا نريد أن نرفعه.

إجابة ذكية، لكنها لا تشفى غليل العرب المولَعين بالعواطف والمواقف الحماسية. والأكراد الآن عمليون، يعيشون نشوة الانتصار والخوف من ضياعه. لا يعنيهم سوى الأمن والاستقرار. ولا يهم كيف، ولا من أين.

كردستان حكاية كبيرة تبعد عنا مسافة قصيرة، لكننا لا نعرف عنها شيئا تقريبا. نسمع عنها اختصارات مرعبة، ونتركها بلا تفكير ولا اقتراب، رغم أن ما يحدث هناك يؤثر بقوة على ما يحدث فى كل العالم العربى.

مرافقى فى الرحلة (اسمه يوسف كريم) اعترف لى: «لا يزال أشعر بأننى ابن الجبل». عمره 43 سنة. ترك دراسته وكل حياته وصعد من أجل حلم كردستان. كان يساريا يؤمن بالعدالة والحياة الحديثة، وتقدميا ينظر إلى المرأة بتحرر أكثر. لكنه يؤمن بتعصب بالقومية الكردية والسعى إلى الاعتراف بها.

كان فى البداية مع حزب الطالبانى (الاتحاد الوطنى) الأَمْيَل إلى اليسار، لكنه انتقل إلى حزب مسعود البرزانى (الحزب الديمقراطى). يقول: «سنحقق العدل والتقدم. لكن لا بد أولا من كردستان. نحن نستحقها.. دفعنا ضحايا.. ولدينا إمكانات».

الواقعية الكردية قادت الحزبين الكبيرين إلى الوحدة بعد حرب أهلية بينهما راح ضحيتها آلاف.

كان الطالبانى، فى بداياته السياسية، عضوا فى الحزب الديمقراطى الكردستانى، لكنه مع الميل إلى اليسار، انشق وشكَّل الاتحاد الوطنى. كان الاختلاف واضحا بينهما، الأول حزب عشائرى أقرب إلى الطبيعة المحافظة، بينما يميل الثانى إلى أنموذج التمرّد الموجود فى فصائل الثورة الفلسطينية فى أيام عزها. وبالفعل تطوع الطالبانى فى الجبهة الشعبية، وأصبح فى ما بعد مستشارًا للزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات (أبو عمار). الطالبانى أنموذج للسياسى الحديث القادر على إقامة علاقات مع أضداد العالم كله. والبرزانى أنموذج لسياسى تقليدى يتمتع بذكاء فطرى وقوة وراثة أبيه المُلاّ مصطفى البرزانى، الذى كان يجمع بين القيادة السياسية والدينية.

انتهت الحرب الأهلية بين الطالبانى والبرزانى بعد دخول قوات الاحتلال بغداد فى 2003. ساعتها ارتفع حلم كردستان ونامت الخلافات، لكن وفق اتفاق على تقسيم السلطة: الطالبانى لرئاسة العراق والبرزانى لرئاسة الإقليم، على أن يكون لكل منهما 50 فى المئة من إدارة مؤسسات الإقليم.

ونزل «البشمركة» من الجبال ليكونوا «نواة» «مشروع الدولة المستقلة». لكن حتى الآن لم تتوحد «بشمركة» الطالبانى مع «بشمركة» البرزانى. لكل منهما وزارة، واحدة فى أربيل للبرزانى وأخرى فى السليمانية للطالبانى.

هذا ما يجعل نقاد التجربة الكردية يقولون إنها «مجرد قشرة لامعة» تخفى تحتها قنابل سريعة الاشتعال. وهو وصف يستحق التأمل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستورالاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.