مجموعة سعودي القانونية

وقفة مع الطريق  ….. علي سبيل التقديم

لم أخطط يومًا أن أكتب عن نفسي  ، وربما كان ذلك راجعًا إلى يقين استقر في نفسي منذ بدأت طريقي في المحاماة ، أن الإنسان لا ينبغي أن ينشغل برواية سيرته وهو لا يزال يسير فيها ، وأن العمل –  إذا كان صادقًا –  أبلغ حديثًا من صاحبه  .

لكن السنوات تمضي ، لا لتضيف إلى أعمارنا أرقامًا جديدة فحسب ، وإنما لتمنحنا قدرة مختلفة على النظر إلى ما مضى  ؛  ومع  الاقتراب من عامي الخامس والثلاثين في ساحات المحاماة ، شعرت أنني لم أعد أحتاج إلى أن أتذكر ما أنجزته ، بقدر ما أصبحت أحتاج إلى أن أفهم ما عشته  .

ولذلك ، لا أكتب هذه الصفحات لأروي قصة حياتي ، ولا لأقدم كشف حساب لما حققته ، ولا لأضيف إلى المكتبة العربية سيرة ذاتية جديدة    ؛ أكتبها لأنني أردت أن أتوقف قليلًا …  لا لأستريح …  بل لأنظر إلى الطريق

فالإنسان ، وهو يسير ، لا يرى من الطريق إلا ما يقع تحت قدميه ، أما إذا توقف لحظة ، فقد يرى الصورة كاملة لأول مرة   .

كلما سألني أحدهم عن سر هذا الشغف الذي ما زلت أحمله للمحاماة بعد هذه السنوات الطويلة ، لم أجد إجابة قصيرة ؛ فالأمر لم يعد متعلقًا بمهنة أمارسها ، ولا بمكتب أديره ، ولا بقضايا باشرتها ، ولا بكتب ألفتها ،  ولا بمحاضرات ألقيتها  ؛ لقد أصبح الأمر أكبر من ذلك كله .

أصبح رحلة طويلة ، لم أعد أبحث في نهايتها عما حققته ، بقدر ما أبحث عما فهمته .

ولست أزعم أن تجربتي استثنائية ، ولا أن ما مررت به لم يمر به غيري ؛ ففي كل يوم يبدأ محامٍ رحلته ، ويطوي آخر صفحات رحلته محام آخر  ، وتمتلئ ساحات العدالة بمحامين ومحاميات يستحق كثير منهم أن تكتب عنهم الكتب   .

لكن لكل رحلة زاوية لا يراها إلا صاحبها ،  ولكل طريق أسئلة لا يعرفها إلا من سار فيه ؛ ولعل صفحات هذا الكتاب  ليست سوى محاولة للعودة إلى تلك الأسئلة  ؛ فلم تكن المحاماة بالنسبة لي مهنة اخترتها فحسب ، وإنما كانت العالم الذي تشكلت داخله رؤيتي للحياة .

 

وقد اكتشفت مع مرور السنوات ، أن النصوص وحدها لا تحقق العدالة أن النصوص وحدها لا تحقق العدالة ، وأن الضمير قد يكون أبلغ من ألف مادة قانونية ، وأن الكلمة قد تبني حقًا كما قد تهدمه ، وأن الإنسان ، قبل أن يكون محاميًا ، مطالب بأن يكون أمينًا على ما يحمل من علم ، وما يدافع عنه من حق  .

ولهذا لم أشعر يومًا أن القضية التي بين يدي تنتهي بصدور حكم ، ولا أن المحاضرة تنتهي بانتهاء وقتها ، ولا أن الكتاب ينتهي بخروجه من المطبعة  ؛ كنت أرى كل ذلك حلقات في رحلة واحدة ، تتعدد صورها ، بينما تظل فكرتها واحدة  .

وحين أنظر إلى الوراء ، لا أستوقف نفسي عند أول قضية ربحتها ، ولا أول محاضرة ألقيتها  ، ولا أول كتاب كتبته ،  ولا أول معركة خضتها  ، ولا أول مؤتمر شاركت فيه ؛ بل أبحث عن شيء آخر   ، أبحث عن تلك اللحظة التي أدركت فيها أن المحاماة ليست وسيلة أعيش منها ، وإنما رسالة أعيش لها  .

ومنذ تلك اللحظة، تغيرت أشياء كثيرة  ؛ طريقة قراءتي للقانون  ، طريقة حديثي إلى الشباب ، نظرتي إلى النجاح نفسه ؛ فلم يعد النجاح عندي حكمًا أكسبه ، ولا منصبًا أتولاه ، ولا شهرة أصيبها ، وإنما فكرة أتركها أكثر نضجًا مما وجدتها ، ومحامٍ شاب أراه بعد سنوات أكثر قدرة على أن يشق طريقه بنفسه ، ومؤسسة أسهم –  بقدر ما أستطيع  –  في أن تصبح أكثر رسوخًا مما كانت   .

وقد صاحبتني ، منذ البدايات ، أسئلة لم تفارقني حتى اليوم :

كيف يتحول القانون من نصوص نحفظها إلى قيم نعيشها ؟

ومتى تتحول المحاماة رسالة ، لمن يبدأها مهنة ؟

وهل يقاس نجاح المحامي بعدد القضايا التي يكسبها ، أم بعدد العقول التي يسهم في بنائها ، والأفكار التي يتركها ، والمؤسسات التي يشارك في تأسيسها  ؟

وهل يكون الإنسان قد نجح حقًا إذا تقدم وحده ، أم إذا استطاع أن يفتح الطريق لمن يأتي بعده ؟

لعلي لا أملك إجابات نهائية عن هذه الأسئلة ؛ لكنني أملك رحلة كاملة في البحث عنها  ، ولعل هذا الكتاب ليس إلا بعضًا من تلك الرحلة  .

ولهذا، فلن يجد القارئ في الصفحات القادمة بطلًا يروي بطولاته ، ولا شاهدًا يعدد فضائله ، ولا محاميًا يسعى إلى إقناع الناس بما صنع   ؛ سيجد إنسانًا يحاول أن يفهم نفسه بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل ، يحاول أن يفهم لماذا جذبته بعض القضايا أكثر من غيرها ، ولماذا ظل يعود ، كلما انتهى من قضية ، إلى كتاب يكتبه ، أو محاضرة يلقيها ، أو فكرة يحاول أن يغرسها في جيل جديد من المحامين  .

ربما لأنني اكتشفت ، مع مرور الوقت ، أن القضية تنتهي بالحكم ، أما الفكرة ، فإذا وجدت من يحملها ، فإنها تبدأ من جديد ، ولعل هذا هو السبب الحقيقي لكتابة هذا العمل   ، فلست أكتبه لأن الطريق انتهى … بل لأنني أردت ، وأنا ما زلت أسير فيه ، أن أتأمله  ؛ أن أراجع بعض محطاته ، أن أستعيد ما علمني إياه  لأفهمه بشكل مختلف  ؛ و أن أرد الفضل لمن كانوا معالم على الطريق تعلمت منهم كما تعلمت من الطريق .

فإذا كان في هذه الصفحات ما يستحق أن يبقى ، فليس لأنها تحكي قصة رجل ، وإنما لأنها تحاول أن تنقل تجربة محامٍ آمن بأن المحاماة لا تُقاس بما تحققه لصاحبها وحده ، وإنما بما تتركه من أثر في الناس ، وفي المهنة ، وفي الأجيال التي تأتي من بعده   .

                                                                                                           إبراهيم عبدالعزيز سعودي