لم أخطط يومًا أن أكتب عن نفسي ، وربما كان ذلك راجعًا إلى يقين استقر في نفسي منذ بدأت طريقي في المحاماة ، أن الإنسان لا ينبغي أن ينشغل برواية سيرته وهو لا يزال يسير فيها ، وأن العمل – إذا كان صادقًا – أبلغ حديثًا من صاحبه .
لكن السنوات تمضي ، لا لتضيف إلى أعمارنا أرقامًا جديدة فحسب ، وإنما لتمنحنا قدرة مختلفة على النظر إلى ما مضى ؛ ومع الاقتراب من عامي الخامس والثلاثين في ساحات المحاماة ، شعرت أنني لم أعد أحتاج إلى أن أتذكر ما أنجزته ، بقدر ما أصبحت أحتاج إلى أن أفهم ما عشته .
ولذلك ، لا أكتب هذه الصفحات لأروي قصة حياتي ، ولا لأقدم كشف حساب لما حققته ، ولا لأضيف إلى المكتبة العربية سيرة ذاتية جديدة ؛ أكتبها لأنني أردت أن أتوقف قليلًا … لا لأستريح … بل لأنظر إلى الطريق
فالإنسان ، وهو يسير ، لا يرى من الطريق إلا ما يقع تحت قدميه ، أما إذا توقف لحظة ، فقد يرى الصورة كاملة لأول مرة .
كلما سألني أحدهم عن سر هذا الشغف الذي ما زلت أحمله للمحاماة بعد هذه السنوات الطويلة ، لم أجد إجابة قصيرة ؛ فالأمر لم يعد متعلقًا بمهنة أمارسها ، ولا بمكتب أديره ، ولا بقضايا باشرتها ، ولا بكتب ألفتها ، ولا بمحاضرات ألقيتها ؛ لقد أصبح الأمر أكبر من ذلك كله .
أصبح رحلة طويلة ، لم أعد أبحث في نهايتها عما حققته ، بقدر ما أبحث عما فهمته .
ولست أزعم أن تجربتي استثنائية ، ولا أن ما مررت به لم يمر به غيري ؛ ففي كل يوم يبدأ محامٍ رحلته ، ويطوي آخر صفحات رحلته محام آخر ، وتمتلئ ساحات العدالة بمحامين ومحاميات يستحق كثير منهم أن تكتب عنهم الكتب .
لكن لكل رحلة زاوية لا يراها إلا صاحبها ، ولكل طريق أسئلة لا يعرفها إلا من سار فيه ؛ ولعل صفحات هذا الكتاب ليست سوى محاولة للعودة إلى تلك الأسئلة ؛ فلم تكن المحاماة بالنسبة لي مهنة اخترتها فحسب ، وإنما كانت العالم الذي تشكلت داخله رؤيتي للحياة .
وقد اكتشفت مع مرور السنوات ، أن النصوص وحدها لا تحقق العدالة أن النصوص وحدها لا تحقق العدالة ، وأن الضمير قد يكون أبلغ من ألف مادة قانونية ، وأن الكلمة قد تبني حقًا كما قد تهدمه ، وأن الإنسان ، قبل أن يكون محاميًا ، مطالب بأن يكون أمينًا على ما يحمل من علم ، وما يدافع عنه من حق .
ولهذا لم أشعر يومًا أن القضية التي بين يدي تنتهي بصدور حكم ، ولا أن المحاضرة تنتهي بانتهاء وقتها ، ولا أن الكتاب ينتهي بخروجه من المطبعة ؛ كنت أرى كل ذلك حلقات في رحلة واحدة ، تتعدد صورها ، بينما تظل فكرتها واحدة .
وحين أنظر إلى الوراء ، لا أستوقف نفسي عند أول قضية ربحتها ، ولا أول محاضرة ألقيتها ، ولا أول كتاب كتبته ، ولا أول معركة خضتها ، ولا أول مؤتمر شاركت فيه ؛ بل أبحث عن شيء آخر ، أبحث عن تلك اللحظة التي أدركت فيها أن المحاماة ليست وسيلة أعيش منها ، وإنما رسالة أعيش لها .
ومنذ تلك اللحظة، تغيرت أشياء كثيرة ؛ طريقة قراءتي للقانون ، طريقة حديثي إلى الشباب ، نظرتي إلى النجاح نفسه ؛ فلم يعد النجاح عندي حكمًا أكسبه ، ولا منصبًا أتولاه ، ولا شهرة أصيبها ، وإنما فكرة أتركها أكثر نضجًا مما وجدتها ، ومحامٍ شاب أراه بعد سنوات أكثر قدرة على أن يشق طريقه بنفسه ، ومؤسسة أسهم – بقدر ما أستطيع – في أن تصبح أكثر رسوخًا مما كانت .
وقد صاحبتني ، منذ البدايات ، أسئلة لم تفارقني حتى اليوم :
كيف يتحول القانون من نصوص نحفظها إلى قيم نعيشها ؟
ومتى تتحول المحاماة رسالة ، لمن يبدأها مهنة ؟
وهل يقاس نجاح المحامي بعدد القضايا التي يكسبها ، أم بعدد العقول التي يسهم في بنائها ، والأفكار التي يتركها ، والمؤسسات التي يشارك في تأسيسها ؟
وهل يكون الإنسان قد نجح حقًا إذا تقدم وحده ، أم إذا استطاع أن يفتح الطريق لمن يأتي بعده ؟
لعلي لا أملك إجابات نهائية عن هذه الأسئلة ؛ لكنني أملك رحلة كاملة في البحث عنها ، ولعل هذا الكتاب ليس إلا بعضًا من تلك الرحلة .
ولهذا، فلن يجد القارئ في الصفحات القادمة بطلًا يروي بطولاته ، ولا شاهدًا يعدد فضائله ، ولا محاميًا يسعى إلى إقناع الناس بما صنع ؛ سيجد إنسانًا يحاول أن يفهم نفسه بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل ، يحاول أن يفهم لماذا جذبته بعض القضايا أكثر من غيرها ، ولماذا ظل يعود ، كلما انتهى من قضية ، إلى كتاب يكتبه ، أو محاضرة يلقيها ، أو فكرة يحاول أن يغرسها في جيل جديد من المحامين .
ربما لأنني اكتشفت ، مع مرور الوقت ، أن القضية تنتهي بالحكم ، أما الفكرة ، فإذا وجدت من يحملها ، فإنها تبدأ من جديد ، ولعل هذا هو السبب الحقيقي لكتابة هذا العمل ، فلست أكتبه لأن الطريق انتهى … بل لأنني أردت ، وأنا ما زلت أسير فيه ، أن أتأمله ؛ أن أراجع بعض محطاته ، أن أستعيد ما علمني إياه لأفهمه بشكل مختلف ؛ و أن أرد الفضل لمن كانوا معالم على الطريق تعلمت منهم كما تعلمت من الطريق .
فإذا كان في هذه الصفحات ما يستحق أن يبقى ، فليس لأنها تحكي قصة رجل ، وإنما لأنها تحاول أن تنقل تجربة محامٍ آمن بأن المحاماة لا تُقاس بما تحققه لصاحبها وحده ، وإنما بما تتركه من أثر في الناس ، وفي المهنة ، وفي الأجيال التي تأتي من بعده .
إبراهيم عبدالعزيز سعودي