مجموعة سعودي القانونية

الفصل الثاني : عند مفترق الطرق

الفصل الثاني : عند مفترق الطرق

لم يكن اختياري لطريقي في المحاماة قرارًا مهنيًا فحسب  ؛ كان اختيارًا أخلاقيًا قبل أن يكون اختيارًا وظيفيًا ، واختيارًا يتجدد كل يوم   ؛ لأن مفترقات الطرق لا تأتي مرة واحدة   .”

لا أذكر أنني اتخذت يومًا قرارًا كبيرًا غير حياتي دفعة واحدة  ، فالطرق الكبرى لا يختارها الإنسان في لحظة ، وإنما تتشكل في داخله ببطء  ، حتى إذا التفت إلى الوراء بعد سنوات ، أدرك أن حياته كلها كانت ثمرة اختيارات صغيرة  ، ظنها يومًا عابرة ، فإذا بها ترسم ملامح عمر كامل  .

ولذلك ، كلما سألني أحدهم  :  كيف اخترت طريقك في المحاماة   ؟

أجد أن السؤال يحتاج إلى إجابة مختلفة ، فأنا لم أختر المحاماة يوم التحقت بكلية الحقوق ، ولم أخترها يوم وقفت لأول مرة أمام منصة القضاء ، لقد اخترتها ، في الحقيقة ، كلما وجدت نفسي في مفترق طريق ، وكان علي أن أحدد أي طريق أسلك  .

ولعل أول تلك المفترقات بدأ بفكرة قديمة  سبق أن كتبتها في مقال حمل عنوان ” نهر الفساد ”  ، ما زلت أذكره كلما نظرت إلى ما آلت إليه أحوال البلاد والعباد  ، وكان المقال يستعيد المسرحية البديعة التي كتبها الراحل العظيم توفيق الحكيم بعنوان ” نهر الجنون ” ، تروي أحداثها أنه في احدى الممالك القديمة رأى الملك رؤية انه أبصر أفاعي سوداء قد هبطت فجأة من السماء و في أنيابها سم تسكبه في النهر الذي يجري في المملكة فإذا هو في لون الليل ، و هتف بالملك من يقول  :  حذار أن تشرب بعد الآن من نهر الجنون ، وأن جميع من في المملكة يشرب من النهر ويصاب بالجنون فيما عدا الملك والوزير   .

وعلى الجانب الآخر تقف الملكة وكبير الكهان وكبير الاطباء ومن خلفهم الشعب يعتقدون جميعاً أن الملك والوزير أصابهما الجنون ، وأنهما لا شفاء لهما من الجنون ما لم يشربا من النهر   .

وتدور أحداث المسرحية في صراع بين الفريقين إلى أن ينتهي الملك والوزير أنهما حتى وإن كانا وحدهما هما العاقلين في المملكة ، فما قيمة نور العقل في وسط مملكة من المجانين ، و أنه لمن الخير لهما أن يعيشا مع الملكة و الناس في تفاهم و صفاء ، و لو منحا عقلهما من أجل ذلك ثمنًا  !

فالجنون يعطيهما رغد العيش ، فمن الجنون أن لا يختارا الجنون ، بل إنه لمن العقل أن يؤثرا الجنون .

 لا أدري لماذا بقيت هذه المسرحية تسكنني كل هذه السنوات  ، ربما لأنني ، كلما خرجت إلى الحياة العملية ، شعرت أن لكل عصر نهره ، وليس شرطًا أن يكون ماءً يصيب من يشربه بالجنون ، قد يكون فكرة ، وقد يكون عادة ، وقد يكون فساد  يتغلغل في المجتمع و يتعايش   معه  الناس   .

كنت أتذكر دائما هذه المسرحية كلما شاهدت نهر الفساد يجري في ربوع البلاد ، وأسأل نفسي دائما ما قيمة الشرف والحق والفضيلة في وسط مملكة من الفاسدين .

وكثيرا ما  كان يهمس لي شيطاني بأنني لن تطيب لي الحياة   ، ما لم أشرب من نهر الفساد ، وأحار طويلا بين شيطاني وضميري ، وازداد حيرة على حيرة ، حين أفكر في اولادي وكيف أربيهم ، هل أربيهم على استخدام كل وسيلة ولو غير مشروعة، وأن الغاية تبرر الوسيلة ( و اللي تكسب به العب به ) .

هل أعلمهم أن معيار النجاح في الحياة هو النفاق والتملق وصناعة العلاقات العامة بدلًا من العلم والثقافة والعمل ، وأن عليهم اغتنام الفرص إذا دنت ، والصعود على أجساد الناس وإن دمت  .

هل أعلم أولادي كيف يقلبون المعايير  ، ويخلطون الموازين ، ويفسدون المعاني ؛  كيف يحتقرون العمل ويحتفون بالسمسرة والكسب السريع  .

هل أعلمهم كيف يرون العري فنًا وابداعًا ، و الغدر فطنة وذكاءً ، و الفساد فهلوة وشطارة ، والظلم حماية للمجتمع  .

هل أعلمهم أن النصب ” تفتيح مخ  ” ، وأن الرشوة  ” عن الحق  “تكبير دماغ ” ، وأن معين الظالم على الظلم  ” عبد المأمور  ”  .

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي ، ليس امتحان القانون … ، بل امتحان الإنسان .

وأعترف أنني ، مثل كثيرين ، مررت بلحظات سألت فيها نفسي : هل الطريق المستقيم يستحق كل هذا العناء ؟

وهل يستطيع الإنسان أن يعيش متمسكًا بما يؤمن به ، بينما يرى غيره يختصر المسافات بوسائل لا يرضاها ضميره  ؟

لم تكن هذه الأسئلة ترفًا فكريًا ؛ كانت أسئلة عملية ، يفرضها الواقع كل يوم  ، وكانت إجابتها ، في كل مرة ، تعني اختيارًا جديدًا  ؛ كنت أعلم أن الطريق المستقيم أكثر مشقة  ؛ لكنه كان الطريق الوحيد الذي أستطيع أن أنظر فيه إلى نفسي دون خجل  .

ولذلك ، لم يكن اختياري لطريقي في المحاماة قرارًا مهنيًا فحسب  ؛ كان اختيارًا أخلاقيًا قبل أن يكون اختيارًا وظيفيًا ، واختيارًا يتجدد كل يوم   ؛ لأن مفترقات الطرق لا تأتي مرة واحدة   .

إنها تزور الإنسان مرات كثيرة ، في صورة قضية ، أو منصب ، أو علاقة ، أو مكسب ، أو تنازل يبدو صغيرًا ؛ وربما لا يصنع الإنسان تاريخه بالقرارات الكبرى التي يتحدث عنها الناس ، بقدر ما يصنعه بتلك التنازلات  التي رفضها ، ولم يعلم بها أحد  .

ولعل الإنسان ، في نهاية المطاف ، لن يعرفه الناس بالطريق الذي وجده أمامه ، وإنما بالطريق الذي اختار أن يسلكه عند مفترق الطرق   .

                                                                                                               إبراهيم عبدالعزيز سعودي