آلان جريش: لا يمكن أن تقوم دولة دينية فى مصر ، حوار: شريف البرامونى

الحوار مع المحلل السياسى الفرنسى آلان جريش لا يحتاج إلى تبرير، فهو أحد أبرز المحللين للأوضاع السياسية على الساحة العربية عامة والمصرية خاصة، نظرًا إلى ارتباطه الشديد بمصر، حيث شهدت القاهرة مولده عام 1948، وهو نائب مدير صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية، وشغل رئاسة تحريرها سابقًا، كما أنه رئيس رابطة الصحفيين الفرنسيين المتخصصين فى شؤون المغرب العربى والشرق الأوسط، وعضو مجلس إدارة معهد العالم العربى بباريس. هنا يتحدث جريش عن رؤيته للأوضاع فى مصر، والتى تشهد تغلغلا إخوانيًّا فى مؤسسات الدولة بعد وصول الجماعة إلى الحكم.

لن تكون لمصر سياسة مستقلة فى العلاقات الخارجية دون قوة اقتصادية

القوى السياسية بما فيها الإخوان لا تمتلك برنامجًا واضحًا لتحقيق العدالة الاجتماعية

■ هل ترى أن الجيش خرج من لعبة السياسة فى مصر بعد قرارات الإقالة الأخيرة التى اتخذها مرسى؟!

– لا يظن أحد أن الجيش خرج من لعبة السياسة فى مصر برحيل بعض قيادات المجلس العسكرى، كما أنه لن يخرج مهما طرأ عليه من تغييرات فى القيادة، وسوف يظل محتفظًا بوزنه فى السياسة لاعتبارات كثيرة، منها وزنه الاقتصادى، بالإضافة إلى الدور الأمنى الذى يلعبه فى الحفاظ على الدولة، وأيضا دوره فى السياسة الخارجية، لذلك أنا أعتقد أن هذه الهيمنة لم ولن تنتهى بين عشية وضحاها، ولكن فى المقابل اكتشفنا أن سيطرة الجيش على السلطة غير ممكنة، وقد وضح ذلك فى الأسبوع الذى تلا انتخابات الرئاسة وساد خلاله ارتباك عام، لأن المجلس العسكرى لم يكن قد حسم أمره فى إعلان النتائج النهائية بين مرسى وشفيق، ولكن فى نهاية الأمر علم المجلس حجم قدرته الحقيقية فى السياسة وأدرك حينها أنه لا توجد أى إمكانية للرجوع إلى الخلف، أما الخطوة الثانية وهى إقالة وزير الدفاع ورئيس الأركان بالجيش فأظن أنها جاءت فى خضم الصراع الداخلى للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهذا عكس ما اعتقده البعض، من أن المجلس بأكمله مُتَّحد على قرار واحد، مما يؤكد أن الرئيس اعتمد فى إقالة طنطاوى وعنان على الجزء الذى يرفض الدخول فيه بالسياسة بشكل مباشر وصريح لأسباب منها كراهية الصدام مع الشارع ورد فعل ذلك على الجيش ذاته، بالإضافة إلى صراع الأجيال فى القيادة، فقد أصبح من غير الممكن أن يستمر جيل أكتوبر إلى الآن دون تغيير، فلا يُعقل فى بلد يمتلك من تركيبة الهرم السكانى ملايين من الشباب فى الثلاثين، أن يتصدر العجائز والشيوخ المشهد فيه، وهذه أيضا مشكلة المؤسسات فى مصر، بالإضافة إلى انعكاس فساد مبارك على الجيش وقياداته، ومن الواضح أن الحادثة التى راح ضحيتها 16 جنديًّا برفح دعمت مرسى، خصوصًا أنها كشف واقعا مفزعا، له دلالات كثيرة، إذا نظرنا إلى قدرة الصهاينة على ردع المهاجمين فى المنطقة الحدودية وسرعة التعامل مع الحدث.

ولكن علينا أن نعلم أن الجيش نفسه ليس ضد فكرة التغيير، وهذا ليس معناه أن الجيش وضباطه سوف يصبحون من الإخوان، لأن الثورة فى مصر ذات طابع مختلف ومتنوع، ولأنها طالبت بحكم ديمقراطى ودولة مدنية، وهذا لم يكن موجودًا فى مصر أو العالم العربى أجمع، على الأقل خلال الخمسين عاما الماضية، وذلك طرح ضرورة وجود تغييرات، فالناس يجب أن يشعروا بتغيير حقيقى لا شكلى، وأظن أنه كان مطلبا للضباط كما هو للشعب.

■ كيف ترى التغييرات التى طرأت على الواقع المصرى وطريقة تعامل الإخوان معها؟!

– هناك مشكلات فى البناء السياسى والديمقراطى والاقتصادى، وعلينا أن نعلم أن الإخوان لا يمتلكون حلولا لها، وبالنظر إلى عمق الأزمة بمصر تجد أن جذورها تكمن فى الاقتصاد، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ثمة ضرورة للتركيز على قدرة قرارات الإخوان فى تنفيذ برنامج أو حزمة من السياسات تأتى بثمارها على النهوض بالتعليم والصحة وغيرهما من المشكلات التى تمس المواطن البسيط، وأظن أن تلك المشكلات سوف تطرح نفسها بين الحين والآخر، لذلك سوف تشهد علاقة السلطة مع الشارع صراعات، ومن ثم سينعكس ذلك على الإخوان، وقد بدأ هذا فى الظهور بعد القرض الذى تنوى حكومة قنديل الحصول عليه من البنك الدولى، رغم أن الإخوان كانوا أشدّ الناس معارضة لسياسة الاقتراض.

■ كيف تابعت زيارة مرسى إلى الصين وإيران؟!

– أظن أن زيارة الرئيس محمد مرسى إلى الصين وإيران وبعدها البرازيل فى غاية الأهمية، لأنها سوف تطرح حلولا بديلة لمستقبل الثورة فى مصر والعالم أجمع، وهنا أذكر حالة جنوب إفريقيا بعد التخلص من نظام الفصل العنصرى فى مطلع التسعينيات، فلم يكن هناك بديل لطرح سياسة مستقلة للنظام الاقتصادى الجديد لأن الاتحاد السوفييتى كان قد انهار، وكانت الولايات المتحدة هى الوحيدة التى تسيطر على العالم، أما الآن فأصبح هناك تعدد للقوى، وبالطبع أصبحت هناك قدرة على تنويع التبادل والتعاون الاقتصادى، وقبل ذلك كان لا يمكن الاستغناء عن البنك الدولى وقروضه، كما أن الصين تمنح حاليا عشرات المليارات لدول إفريقية دون أى فوائد وشروط، ومن ثم يمكن الاعتماد على ذلك فى بناء سياسات اقتصادية مختلفة.

■ بمَ تفسر تخوفات البعض من سيطرة الإخوان على الإعلام؟!

– من الواضح أن إعلام الدولة فى مصر لم يتغير، وهذا يؤكد أن القائمين عليه ليست لديهم أى انتماءات من أى نوع، لا حزبى ولا إخوانى، هم فى خدمة السلطة مهما كانت، كان الإعلام فى خدمة مبارك ثم طنطاوى والآن مرسى، وهذا يؤكد أن هناك أزمة فى الإعلام بشكل عام، ولكن الأزمة لم تأتِ من هيمنة الإخوان على السلطة لكنها موجودة فى الأساس، وأنا أندهش، مثلا، حين أرى نقاش الصحفيين فى تناول مشكلة أخونة الصحافة، فقبل أن يناقشوا ذلك كان عليهم أن يناقشوا مستقبل هذه الصحف، وما الذى يريدونه من الصحف القومية، ومن هو صاحب القرار فيها، ومن يضع خطوط التحرير، ولا يعنى كلامى أن الإخوان لا يرغبون فى الهيمنة، فهم يشكلون حزبًا شموليًّا، وهو من أقوى الأحزاب على الساحة، ولديهم مشروع مثل كل الأحزاب السياسية التى ترغب فى الهيمنة، وفى تقديرى هناك مبالغات فى الحديث عن الهيمنة وخلافها، وفى اعتقادى أن الشارع اكتسب وعيًا يمكّنه من التميز فى تلك الأمور، وقد رفض ديكتاتورية مبارك وسيطرة الحزب الواحد، كما أنه تراجع عن دعم الإخوان، بدليل خسارة هؤلاء الإخوان نصف الأصوات التى حصل عليها مرشحوهم فى معركة البرلمان، فى أثناء الانتخابات الرئاسية.

■ كيف ينظر المجتمع الفرنسى إلى مصر الإخوان؟!

– أظن أن هناك تخوفات من المراقبين والسياسيين الفرنسيين، وقد تصاعدت بعد فوز الإخوان فى تونس ومصر، وقريبا اليمن وسوريا وغيرها من بلاد الربيع العربى وذلك لأسباب كثيرة منها حالة «الإسلاموفوبيا» المنتشرة فى أوروبا بشكل عام، وذلك يجعل شكل العلاقات بين مصر وفرنسا، عموما، محاطة بالتخوفات والانتقادات من الرأى العام، فكيف لرئيس فرنسا أن يخلق علاقات مع دولة يسيطر عليها الإخوان؟ كلها تساؤلات يطرحها الرأى العام، ولكن يجب أن نعلم أن السياسة من خارج السلطة شكل، وداخلها شكل مختلف، بدليل أن الإخوان كانوا ضد اتفاقية «كامب ديفيد»، والآن هم يطبقون الاتفاقية، إلى ذلك ينشغل المجتمع الفرنسى حاليا بمشكلاته الاقتصادية، بالإضافة إلى تراجع الولع المصرى الذى كان لدى الفرنسيين إبان الثورة.

■ وما توقعاتك للسياسات المصرية – الإسرائيلية فى ظل حكم الإسلاميين؟

– أظن أن التغيير الذى حدث فى مصر وإطاحة الشعب برأس النظام، سوف تقف حائلا دون انتهاج الرئيس أو الحكومة نهج مبارك، كما لن تتجاهل الرأى العام المصرى فى السياسات المصرية- الإسرائيلية، وهذا لا يعنى قيام حرب مع إسرائيل، ولكن مثلا إذا حدث اعتداء على غزة مثل ما حدث فى «عملية الرصاص المصبوب» 2008، فلا بد للرئيس المصرى أن يتخذ موقفًا حقيقيًا يقف فيه إلى جانب الفلسطينيين، ولن يكرر مأساة مبارك التى خرج فيها المعارضون للتنديد بسياساته المهادنة لإسرائيل، فى نفس الوقت لا توجد حكومة يمكنها قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل أو أمريكا فى يوم وليلة، وإلغاء «كامب ديفيد» وقطع العلاقات الثنائية، ولكن تغيير العلاقات المصرية بمواقف سياسية أقوى وفتح العلاقات بصورة أكبر مع فلسطين سوف يعود بفائدة أكبر على فلسطين، وأظن أن هذا ما سوف يحدث من الحكومة المقبلة أيًّا كانت توجهاتها.

وعلينا الانتباه إلى أن المشكلة حاليا أصبحت داخل الحركة الفلسطينية بذاتها لا سيما أن إسرائيل ترفض بشكل كامل أى اتفاق وترغب فى السيطرة الكاملة على الأراضى الفلسطينية، ولكن فى نفس الوقت هناك تناقضات كامنة بداخل الحركة الفلسطينية، كما أن هناك غيابا للمشروع الفلسطينى، وتفتقد فتح وحماس مشروعًا يمكن اعتباره خارطة طريق، كما أن السلطة الوطنية التى تطرح المفاوضات حتى الآن لم تنجح.

■ هناك ارتباط بين الإخوان المسلمين فى مصر ومشروع تحرير فلسطين، هل تعتقد أن الصعود الأخير للإخوان إلى السلطة بمصر سوف يدعم حركة التحرر هناك؟

– أنا لا أعتقد ذلك، وأظن أن حكومة قنديل ستشهد تغييرات، ولكن كل التصريحات تحمل نوعا من الشعارات، لا يمكن أن يكون لها وزن حقيقى فى عالم السياسة، فيجب أن تُترجم تلك الشعارات على الأرض، أى من خلال وضع موقف محدد من الصراع العربى – الإسرائيلى.

■ البعض رأى أن وصول الإخوان إلى السلطة بمصر كان برعاية أمريكية.. كيف ترى ذلك؟!

– بالنظر إلى تاريخ السياسة الأمريكية نكتشف أنها قائمة على علاقات براجماتية، ولو رجعنا بالتاريخ إلى فترة الانتفاضة الشعبية فى إندونيسيا، بعد الإطاحة بسوهارتو، سنجد أن الولايات المتحدة بدأت حوارها مع القائمين على السلطة بعد عشرة أيام، رغم أنه سوهارتو كان الحليف الأقوى لهم، ونفس الأمر تكرر مع مبارك بعد تخليهم عنه، ليبدأ بعدها تحالف من نوع مختلف، وهناك مواقف عدة كان الإخوان يؤيدون خلالها الأمريكيين، وللعلم لا يمكن أن تكون لمصر سياسة مستقلة فى العلاقات الخارجية دون قوة اقتصادية تدعم قراراتها، وهناك أمثلة على ذلك، منها تركيا والتى تمتلك من الإنتاج ثلاثة أضعاف ما تنتجه مصر، واستطاعت أن تجد لها موقفا مختلفا عما تمليه عليها أمريكا، وقد ظهر هذا مثلا فى حرب العراق والحصار المفروض على غزة.

■ هل يستطيع الإخوان حل الأزمة الاقتصادية فى مصر؟!

– الإخوان جزء من حل مشكلة مصر، ولا بد من وجود دور لهم فى السياسة وليس الهيمنة على كل شىء، والانتخابات الرئاسية كشفت قبل فوز مرسى عن ضرورة تحالفهم مع قوى الثورة، وهذا أكد أنهم بمفردهم لا يستطيعون حسم معركة الديمقراطية، وإن استأثروا بكل شىء سيرفضهم الناس كما رفضوا مبارك من قبل.

■ كيف ترى التحالفات التى تطرح نفسها على الشارع المصرى كبديل أو شريك للإخوان؟!

– هناك أزمة حقيقية يقع فيها السياسيون بمصر، وهى التشخيص، والتى تظهر من خلال تعدد الأحزاب ذات المرجعية الواحدة، مرجعية الفرد، وأظن أن ذلك يمثل نوعًا من الشخصنة، وفى اعتقادى أن القوى السياسية بما فيها الإخوان لا تمتلك برنامجًا واضحًا لتحقيق العدالة الاجتماعية غير الشعارات التى يتم ترديدها دون بلورة ذلك عبر مشروع، وبالنظر إلى البرامج المطروحة الخاصة بالأحزاب لا ترى أى برنامج اقتصادى حقيقى، ولكن كلها تدور حول شعارات فضفاضة، بما فيها برنامج الإخوان.

■ وكيف ترى دور النقابات فى ظل حكم الإخوان؟!

– على المصريين أن يعلموا أن تحرير البنية التحتية (النقابات والمحليات والمحافظين) من أيدى الدولة هو الأمر الأهم على الإطلاق، يليه فى الأهمية وجود أحزاب سياسية لها توجهات مختلفة، على أن تكون السلطة الأساسية للشعب حتى لو كان هناك حزب حاكم يعتلى عددًا من الأحزاب السياسية الأخرى، التى من الواجب أن تكون متعددة، وتفعيل دور منظمات المجتمع المدنى هو الأهم فى الفترة المقبلة، وإذا لم يتم تحريرها وتفعيل دورها على أرض الواقع لا يمكن أن توجد الديمقراطية فى مصر، وعمومًا أنا متفائل بالفترة المقبلة ولا أتوقع أن تعود الأمور للوراء من جديد، ووجود الإخوان ضعيف داخل النقابات العمالية وهذا ما يخشونه لاعتبارات كثيرة، منها عداء الحركة النقابية القديم لهم، كما أن مصر تحتاج إلى التخلص من بعض الأشياء التى من شأنها التأثير على مسيرة الديمقراطية والإصلاح، حيث تنتشر الشائعات بسهولة شديدة، والأغرب أنه يتم تصديقها من قطاع عريض من المصريين، وكذلك من بعض رجال الطبقة المثقفة، وهو أمر مؤسف للغاية، وحتى المطبوعات والصحف لم تسلم من تداول الشائعات والأكاذيب، ولا أستثنى من ذلك الصحف الخاصة والحزبية، فهذه السقطات تقع فيها الصحف القومية والخاصة والمستقلة، حيث تتناسى دورها فى التوعية والإخبار والتحليل، وهو ما يعنى أننا لا بد أن نقوم بثورة ثقافية لنقوم بتغيير تلك الأمور، حتى وإن استغرقنا بعض الوقت.

■ أخيرًا هل يمكن أن تقوم دولة دينية فى مصر؟

– من الصعب أن تقوم دولة دينية بشكل مطلق فى مصر، والإسلاميون ليست لديهم إمكانية لأن يقوموا بعمل ديكتاتورية إسلامية، هم فى الحقيقة أغبياء سياسيا، وإلا كانوا استغلوا الفرصة الذهبية من قبل، بالإضافة إلى تقطع الروابط بين جيل الشباب منهم وجيل القادة الذى يعود إلى خمسينيات القرن الماضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.