أحمد الدرينى يكتب | ديمقراطية أبي مسلم الخراساني!

أحمد الدرينى يكتب | ديمقراطية أبي مسلم الخراسانى !

أحمد-الدريني

ذات مرة، وبينما كان القائد العسكري الأشهر أبو مسلم الخراساني يقود الجيوش المجيشة تحت راية الدولة العباسية، قرر أن ينتحي بالجيش إلى ناحية بدلا من ناحية أخرى.

فنظر إليه أحد الجنود وسأله: لماذا نمضي من هذه الطريق وليس من تلك يا أبا مسلم؟

كان أبومسلم على صغر سنه، مهيبا وألمعيا ويدرك جيدا ما يفعله.

ويقال إنه لم يكن يتورع عن قتل كل من يتوقف في طريقه، حتى لينسب إليه قتل مئات الآلاف من البشر.

نظر أبومسلم للجندي الذي سأله عن الطريق التي اتخذها، وثبت عينيه طويلا، ثم قال له أخذناه لأجل كذا وكذا وكذا..

فلما استبان للجميع حصافة رأي أبي مسلم المعهودة وبعد نظره ووجاهة منطقه، تحرك بالجيش وهو يقول: اضربوا عنق السائل!

أي أنه بعد أن أجاب على الجندي وأوضح له السبب، أمر بضرب عنقه.

وكأنه يؤسس لقانون صارم في الرد على كل من تسول له نفسه السؤال، مجرد السؤال، عن علة الخطوة وسبب الحركة وباعث المسير.

ومن ذكاء أبي مسلم أنه أجاب وأوضح وجهة نظره الدقيقة، قبل أن يقتل الرجل، فلربما قال أحدهم بينه وبين نفسه: قتل أبومسلم الجندي لأنه أحرجه.

فقد أسس للأبد، أنه لا يُسأل عما يفعل.. وأنه يعرف ما لايعرفه غيره.

(2)

الديكتاتورية صناعة ثقيلة، وليست وليدة صدف اعتباطية.

لكن للأسف نحن في عصر الديكتاتوريات العفوية، التي تشكلت في غفلة من الزمن دون أن تستوفي مقومات هذه الصناعة الألمعية العظيمة.

ولم يعد بمقدورنا اليوم مصادفة ديكتاتور مطابق للمواصفات التاريخية للطغاة العظام الذين سبقوه إلى جهنم وبئس المصير.

لذلك نصادف مستوى ركيكا من الأداء السياسي في المنطقة العربية عموما.

(3)

في مصر الديكتاتورية شأنٌ آخر.

الدولة مهلهلة وتبحث عن نفسها، وتحاول لملمة شتاتها المكشوف على الملأ وستر عوراتها المستباحة منذ 25 يناير 2011.

ورغم الاهتزاز المجتمعي العنيف الذي يضرب أركانها، إلا أن “النظام” مازال متماسكا وشرسا بصورة تدعو للدهشة!

لدينا دولة مهلهلة ونظام شرس عنيف، لا تنال منه نوائب الدهر وصروفه.

ما هو النظام؟

ربما هو الجوهر الحصين الذي لم تمسسه الثورة (يناير لا يونيو)، ربما هو ائتلاف القيادات القديمة داخل كل أجهزة الدولة وتحالفات الأمن ورأس المال، ربما هو الفكرة نفسها.. فكرة الدولة المصرية عن نفسها ككيان قاهر فوق مواطنيها.

هذا الجوهر، حافظ على نفسه في عهود كل من المجلس العسكري ومرسي وما بعد مرسي والسيسي.

بدت الدولة مفتقدة لشرعيتها لشهور طوال وعلى فترات متقاربة، كضامن لتأدية الخدمات العامة وككيان حامي وقانوني عادل، إلا أنها رغم ذلك لم تنقطع عن عادتها في ممارسة القهر ضد المواطن، وكأن شرعيتها كدولة أمر منعزل تمام الانعزال عن دورها ككيان بغيض مزمن!

لم ينقطع التعذيب عن الأقسام تقريبا، لم يتم استصدار أى تشريعات جذرية لمعالجة المسألة الاجتماعية الاقتصادية الآخذة في التدهور دون توقف، لم يتم ابتكار أو حتى الشروع في ابتكار حلول للأزمات دائمة الحضور اليومي في حياتنا.

ورغم ذلك لم تنقطع الخروقات الحقوقية ضد المواطنين، ولم تتعطل يد البطش الاقتصادي لماكينة رأس المال التي تطحن الطبقات الأدنى بلا هوادة.

ورغم ذلك، أعادت شريحة من الصحفيين والإعلاميين استحداث نفسها مرة أخرى على السطح، كطبقة عازلة بين “النظام” وبين المواطنين. تحاول تسويغ هذا كله وتطويعه مرة أخرى، بوصفه سبيل الرشاد.

(4)

النظام..غشيم.

الدولة مهلهلة.

وكلاهما في مسارين منفصلين عن بعضهما البعض. وبين الدولة والنظام رئيسٌ يبدو على صدق نواياه واقعا في إسار أزمات كبرى تفجرت على غير هدى، بعضها من صنع اللحظة الآنية، ومعظمها انبثق عن رحم الماضي التعيس للدولة المصرية.

ويبدو-الرئيس- كما لو كان يعتقد أن نجاحات النظام هو من جملة نجاحات الدولة، في حين أنهما منبتا الصلة عن بعضهما البعض.

من البديهي أن يتلمظ الرئيس شوقا لأي نجاح في أي من صفوفه..ولكن هل حقا يسير السيسي والدولة والنظام في وجهة واحدة بعينها؟ أم أن السبل متباينة، بعض الشيء أو كثيره؟

(5)

لا يوجد مصري وطني يشمت في بلده أو جيشه، حتى لو كان هذا الجيش العظيم يخوض معركة عظيمة الخسائر في أرض سيناء.

لا يوجد مصري وطني لا يتمنى النجاح لدولته بأجهزتها وسلطاتها، إذ إن نجاحها يصب لصالحه في نهاية المطاف.

لكن أظن أننا في مفترق طرق مع هذه العصابة الجاثمة بكل أجنحتها الأمنية والمالية والإعلامية، ولا أظن أن مسار “النظام” يتسق وما نرجو.

تسأل وأين السيسي من كل هذا؟

أقل لك..عليه أن يستأصل..أو يتماهى.

(6)

هل أبرئ ساحة السيسي وأقول إن كل هذا يجري دون علمه مثلا؟

كلا بالطبع..أقول، أنني “أتصور” أنه “يدرك” وأن عليه أن يحسم خياره إما “استئصالا” وإما “تماهيا”.

يعتقد البعض أن “النظام” هو السيسي، وجهه ورغبته ودولته..وأنا أعتقد أن هذا “النظام” أعتى من أي رئيس وأي نظام..يستخدم الرؤساء والأنظمة (من بعد مبارك) ولا يستخدموه (إلا في إطار مواءمات)..

ومالم يحسم السيسي موقفه، سيصبح موظفا لدى هذا “النظام”!

تسألني وما تتوقع؟ أقل لك غريزة السيسي الماكرة ستدفعه دفعا للتحين بهم.. فما لم يستخدمهم، سيعصف بهم..أو يعصفوا به.

تسألني وما الشاهد؟ أقل لك في قصر الاتحادية صورةٌ ملهمة جدا، لا أعرف من الذي وضعها، وأظنها مؤثرة لمدى بعيد في سلوك أي رئيس.

ما هي الصورة؟

لوحة زيتية تجسد مذبحة القلعة!

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.