أحمد الدرينى يكتب| رئيس مصر القادم.. ولقاء ضروري مع ساحر أوز

 

أحمد-الدريني

في أول مقابلة تليفزيونية للمرشح الرئاسي الخاسر في سباق الانتخابات الأمريكية الماضية «ميت رومني»، قال على محطة فوكس نيوز: «يقتلني ألا أكون في البيت الأبيض». وهي الجملة الأكثر بساطة ومباشرة للتعبير عن حقيقة شعور منافس خاسر في انتخابات رئاسية.

 

التصريح الممزوج بالحسرة والحقد، خرج في مارس الماضي بعد نحو 4 شهور من انقضاء الانتخابات، وهو نفس الشهر تقريبا الذي بدأت فيه كل الخيوط تتعقد فيه في مصر بصورة غير قابلة للفض مرة أخرى.

 

كان التصريح يبدو لائقا لي أن ينطقه كل من شفيق وحمدين وأبوالفتوح وأبوإسماعيل وعمرو موسى.. فخمستهم برأيي كان سلوكهم السياسي خاضعا في تحليله وتفسيره لهذه الجملة.. كلهم يرون أنفسهم أحق من «مرسي» بما هو فيه، وإن تفاوتت نسبة الشعور بالاستجدار ودرجته داخل كل واحد، مع اختلافات شاحبة في أسلوب كل واحد للقول «يقتلني ألا أكون في قصر الاتحادية».

 

والآن بعد تبخر مرسي تماما من المشهد العام بنهاية مأساوية جدا.. ترك الكرسي شاغرا، بينما تحوطه عدة عراقيل وعقد يصعب على المرشحين المحتملين والطامحين في مقعد الرئاسة أن يتخطوها بسهولة.

***

يقال إن هناك زمرة مرشحين عسكريين ستتسابق إلى الانتخابات: الفريق أحمد شفيق، اللواء حسام خيرالله، الفريق سامي عنان.. (مع احتمالية تتساوى شواهد نفيها وإثباتها بخوض الفريق عبدالفتاح السيسي الانتخابات).. جنبا إلى جنب مع مرشحين مدنيين خالفهم التوفيق في الانتخابات الماضية ويرجح أنهم سيعاودون الكرة (عمرو موسى وحمدين صباحي وعبدالمنعم أبوالفتوح وخالد علي)..فضلا عن أوجه جديدة يقال إنها ستجرب حظها (د.مصطفى حجازي).. وكل هذه الأسماء في طور التكهن، وأي منها ليس محسوما ترشحه بالطبع، في ظل بث أخبار كثيرة متضاربة بشأن موقف كل منهم.

وهنا تجدر وقفة ضرورية…

***

في قصة الأديب الأمريكي ليمان فرانك بوم التي تم تحويلها لفيلم شهير تحت اسم «ساحر أوز»، تهرب الفتاة دورورثي وتبحث عن شخص يقال إنه يحقق كل شيء لمن يتمناه ويدعى «ساحر أوز»، وفي طريقها لهذا الساحر.. تقابل «خيال مآتة» يريد عقلا لأنه لا عقل له، ويتمنى يوما ما أن يكون لديه عقل مثل الجميع، ثم تقابل رجلا صفيحيا يريد قلبا مثل بقية المخلوقات.. ويمكنه بهذا القلب اختبار عواطفه وخوض التجارب الشعورية التي يخوضها الآخرون.. ثم أخيرا تقابل أسدا يريد أن يكون شجاعا كبقية الأسود بدلا من جبنه وخوره اللذين يجعلانه أقرب لقطة!

***

لا يخفى الآن أن أي مرشح إسلامي سيخوض الانتخابات الرئاسية سيتعثر أول ما يتعثر في إرث الفشل الذي خلفته تجربة مرسي.. ثم في شراك الفوضوية والإرهاب وعدم الوطنية التي دمغت التنظيم الإسلامي الأكبر «الإخوان».. ثم حزمة العقد والكلاكيع التي ارتبطت بحكم «شخص إسلامي».

 

ثم حتى في حال تخفيف غلواء معاداة الإسلاميين في المجال العام، يصعب أن نتخيل مرشحا إسلاميا تتوافق عليه التنظيمات الإسلامية المختلفة، والمتناحرة أحيانا، وأن تراهن عليه جميعا، فالانتخابات الماضية مثلا شهدت تصويت التيار السلفي للدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، فيما رشح الإخوان مرسي عنهم واستدعوا حلفاءهم والمتعاطفين معهم، بينما بقي سليم العوا في العراء بلا ظهير تنظيمي أو كتلة تصويتية تتوجه إليه بالولاء.

 

وفي حال خوض مرشح عسكري قوي الانتخابات ستتجه الأنظار إليه، وربما يحسم المرشحون العسكريون الأمر فيما بينهم على أن تتوحد كتل كثيرة كان يمكن أن تتفرق بينهم أشتاتا.

 

لكن أي مرشح عسكري مهما كانت قاعدته الشعبية (حتى لو كان السيسي نفسه) فإن هناك قطاعا لا بأس به مازال يحمل الحساسيات القديمة تجاه حكم العسكريين، ويريد أن يكسر هذا القيد الممتد منذ عقود، على أن يظل الجيش في وضعه الوطني الطبيعي، جدارا حاميا للدولة من أي عداء خارجي، وصمام أمان داخليا وسط تحالفات المصالح المافياوية بين رؤوس أموال عابرة للقارات ومطامع دولية معلنة تلعب في مباراة مفتوحة أمام الجميع.

 

 الإسلاميون، بقدرتهم – التي ضربتها هزة عنيفة لا شك أنها نالت منها بقسوة ربما تصل بهم إلى حد التفتت والتهاوي- هم المشهود لهم بإمكانية الحشد الواسع والمنظم..

والعسكريون، بالثقة التي يعتنقها قطاع من الشعب في قدرتهم على الردع الداخلي ولملمة حطام المشهد العام منذ 11 فبراير حتى الآن.. يمثلون فرس الرهان الأوفر حظا، في ظل عدم توافق شعبي على شخص من خارج المعسكرين، موثوق في ولائه الوطني ورجاحته الشخصية (مازال شبح أرجوازية مرسي حائما فوق المشهد) فضلا عن اتضاح خطته الإصلاحية وبنود تنفيذها.

 

وإذا كانت الظروف والأيام بطبيعتها قد خصمت من رصيد كل من حمدين وأبوالفتوح.. فإن غيرهما- أيا كان- سيخوض الانتخابات، وقد خصم من رصيده شيء ما بصورة استباقية دون أن يدري وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة!

 

فالإسلاميون يريدون ثقة الناس مرة أخرى، والعسكريون مطلوب منهم تطمينات لا أول لها ولا آخر حول مستقبل وشكل الدولة، ومن سواهما من المرشحين المحتملين مطلوب منهم أن يثبتوا أنهم يمكن أن يتحملوا المسؤولية مدعومين بمساندة شعبية في مواجهة الأمر الواقع وضغوط الطرفين!

***

حين تصل دورورثي هي والفزاعة والرجل الصفيح والأسد الجبان لساحر أوز الذي يحقق كل الطلبات، يفاجأون بأنه شخص عادي جدا وطيب جدا يختبئ خلف هالة من الغموض والألوهة التي يداري بها عاديته وضعفه! لكنه سيحل لكل منهم عقدته ويحقق أمنيته بحيل بسيطة جدا.. وبعد أن يقنع كل منهم بأنه الشخص الذي يريد أن يكونه فعلا!

 

وربما بمد الخط من ساحر أوز الذي يخطب المرشحون وده، سواء كان المؤسسة العسكرية التي أصبح من المتخيل أنه لا بد من خطب ودها أو الإدارة الأمريكية التي يقال إنه من الحتمي الحصول على ضوئها الأخضر.. فإنه من الحكمة بمكان أن يقنع كل منهم نفسه بأن قيمته الحقيقية هي فيما هو عليه حقيقة وبما يمكن أن يقدمه لهذا الشعب.. لأن هذا الشعب هو الذي يمنح في نهاية المطاف، وهو الذي بمقدوره إقناع «خيال مآتة» أن له عقلا، وباستطاعته إقناع الرجل الصفيح بأن له قلبا.. وفي وسعه تحويل الأسد الجبان إلى ليث هصور!

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.