أيمن الجندى يكتب | الاكتشاف الرهيب

أيمن الجندى يكتب | الاكتشاف الرهيب

د.-أيمن-الجندى1

لم تنم صفاء هذه الليلة. كانت تتوقع ضجة هائلة تشمل مصر بأكملها. أشرق الصباح فراحت ترتدى ثيابها وعقلُها يموج بمئات الأفكار. غالباً سيغتالونها بعد أن فضحتهم بالمستندات. وربما تنشب ثورة شعبية. كل شىء يمكن احتماله إلا التعدى على الماء!

بدأ الأمر بصدفة. سقطت المعلومة بين يديها دون أن تسعى إليها. كانت قد أنهت عملاً خاصاً بالجريدة التى تعمل بها، ووجدت نفسها أمام معمل تحليل الماء الذى تعمل به صديقتها سلوى. استقبلتها بالترحاب والعناق. ثم انشغلت سلوى لأمر ما، فوجدت صفاء نفسها تقرأ الأوراق. على ما يبدو هذا هو تقرير تحليل الماء. شرعت تقرأ المكونات دون اكتراث، ولكن عنصراً ما وضع الجهاز جواره علامة مميزة، فلماذا هذا العنصر بالذات؟ همَّت أن تتجاهل الأمر لولا فضولها المزمن. وضعت الاسم فى جوجل وبدأت تقرأ. بدأ قلبها يدق كالطبل عندما تعمقت فى التفاصيل. وفى لحظة كاد يتوقف. هذا العنصر خطير جداً. ومحظور استخدامه عالمياً لأنه يسبب السرطان.

عادت سلوى إلى المعمل فوجدت صفاء شاحبة ولا تقدر على الكلام. سألتها عن هذه المادة المحظور استخدامها فردت فى براءة دون أن تدرى خطورة الأمر. انسحبت صفاء بسرعة قبل أن ترتاب فيها سلوى وتنتزع منها وعداً بعدم الكتابة تجنباً لإحراجها مع الرؤساء.

فى الأيام التالية استطاعت صفاء أن تصل إلى اسم المستورد الذى تبين أنه يمت بصلة القربى لواحد من كبار المسؤولين. استكملت التحقيق الصحفى كما ينبغى أن يكون. راحت تتأمل الكلمات المنثورة بين يديها، والتى سوف تتحول إلى حبر سائل بعد قليل وتكتسب اللون الأسود، تصبح حقيقة دامغة لا يمكن محوها أو التحايل عليها. منذ نعومة أظافرها وهى تخطط أن تصبح صحفية تكشف قضايا الفساد.

فى الصباح التالى ذهبت صفاء إلى الجريدة، وقد خيل إليها أن العيون تحدق فيها باهتمام. ليس من المستبعد أن تكون صورتها قد انتشرت فى كل مكان. ولعل الحكومة الآن قد قدمت استقالتها. والشرطة بادرت بالقبض على المسؤول كى تمتص الغضب الشعبى. زلزال! زلزال.

لكن الناس يسيرون فى الطرقات كسائر عهدهم. لكن من يدرى الأفكار التى تصطخب الآن فى رؤوسهم، ولعل الثورة تعتمل فى نفوسهم! وصلت صفاء إلى مقر الجريدة ونظرت حولها فى تحفز. لكن الزملاء كانوا منهمكين فى أعمالهم كدأبهم كل يوم! غادرت صفاء الجريدة وهى تمسك عدة نسخ من تحقيقها الرهيب. تعمدت أن تجعل جارها فى المترو يقرأ التقرير. سألته بنظرة فاحصة عن رأيه؟ قال ضاحكاً وقد راق له الأمر: «هههه. مادة مسرطنة. يا حلاوة يا ولاد».

أحست صفاء أن رأسها يدور. هذه الاستجابة غير المبالية لا يمكن أن تكون حقيقة. ذهبت بسرعة إلى سلوى وهى تتوقع عتاباً دامياً. لكن سلوى لم تكن تدرى شيئاً عن التقرير. وحين قرأته بدت فخورة لأن اسم صديقتها ظهر فى الصحف. لم تقوَ صفاء على النطق. سألتها بصوت مبحوح إن كانت غاضبة منها لأنها نشرت التقرير. قالت سلوى ببساطة: «محدش فى دماغه. ما تقلقيش».

قالتها ثم شربت من كوب جوارها! سألتها صفاء وعيناها تتسعان فى رعب: «انتى بتشربى الميه المسرطنة؟».

قال سلوى وهى تفطس من الضحك: «يا ستى ما تكبريهاش! من لم يمت بالماء مات بغيره. تيجى نروح السينما بالليل؟ بيقولوا فيه فيلم حلم أوى».

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.