أيمن الجندى يكتب | الخاسرون

أيمن الجندى يكتب | الخاسرون

د.-أيمن-الجندى

كان الطبيب جالساً فى الغرفة الضيقة شاعراً بالضيق واليأس. ومن خلف الشباك الموصد ترامى إليه صوت الأمطار الملح، تنقر الدرب الموحل فى إصرار يثير أعصابه. ما الذى يتوقعه سوى الفقر فى هذا الحى العشوائى بجوار السجن؟ ضاقت المدينة بأطبائها وفكر أن فرصته هنا أفضل. ما الذى جاء به إلى تلك العيادة البائسة فى هذا الطقس الماطر؟ والأسوأ أنه جرَّ بهذه الفتاة التعيسة التى تعمل فى العيادة خلفه. ولعلها أرادت أن تتنصل لكنها خافت على رزقها. هى تنتمى إلى فريق الخاسرين الذى ينتمى إليه. شاحبة، ممتقعة الوجه، متكورة على نفسها من إجل استجلاب الدفء. ولعلها تحلم بعريس ينتشلها من الضياع، ولكن من ينتشله هو؟

وفجأة سمع صوت سيارة تقف فى الدرب. ثم صدى أقدام تصعد الدرج فى هدوء واثق. سمع صوت الفتاة تتجادل مع القادم! وخمن أن الأمر يتعلق بزيارة منزلية. ذلك أنها العيادة الوحيدة المفتوحة فى هذا الطقس. والغريب أنه لم يشعر بحماس للذهاب إلى أى مكان أو حتى إجراء الكشف. ليته ما جاء هذا الجو الماطر؟

ودخلت الفتاة وفى أعقابها شاويش من رجال الشرطة. أحس بالقلق، إلا أن الشاويش بادر إلى طمأنته. كل ما هنالك أن هناك سجيناً يتلوى من الألم يريدون منه معاينته. حاول أن يتنصل طالباً منه الاتصال بطبيب السجن، لكن الشاويش أكد غيابه. قال له بلهجة ذات مغزى: (السجن على مسافة أمتار، والمسألة لن تستغرق دقائق، والطب مهنة إنسانية).

لا بأس، على الأقل هناك شىء إيجابى. جيد أنهم يبالون بآلام المسجون ولا يتركونه يتلوى. حمل الحقيبة الطبية وسار مع الشاويش مستسلماً لأقداره. بالطبع لن ينتظر أجراً للكشف.

السجن كان بالفعل على مسافة قريبة من العيادة، لكن المطر المنهمر فوق رأسه والوحل الزلق أفسدا مزاجه الردىء أصلاً. انفتحت البوابة الحديدية للشاويش ودخل فى أعقابه شاعراً بالشؤم والانقباض. ليته ما خرج من بيته هذه الليلة. ليته ما التحق بكلية الطب، بل ليته ما وُلد أصلاً. كان محتوماً حين وُلد لأبوين فقيرين أنه سينتمى إلى فريق الخاسرين الذى تنتمى إليه الفتاة التى تعمل بالعيادة! ليته أمرها بالذهاب بديلاً عن انتظاره. ولكن صبراً، كلها دقائق معدودة وينتهى الأمر. بعدها سوف يمعن التفكير فى حياته كلها. وربما يغلق العيادة نهائياً وربما يسافر.

ودخل السجن خلف الشاويش. وانفتحت أبواب وراء أبواب، وقضبان خلف قضبان، ثم وجد الشاويش يأمره بالدخول إلى غرفة ضيقة. وتساءل عن المريض فأخبره أنه سيأتى حالاً. مرت الدقائق بطيئة ثم سرى تيار من الهواء البارد أغلق الباب عليه فجأة. وجد نفسه فى غرفة ضيقة موصدة، وبدأ التوتر يعصف بروحه. صاح منادياً على الشاويش وهو يطرق الباب بعنف فلم يسمع حتى صدى صوته. اهدأ. حاول أن تهدأ. سوف يأتى الشاويش حالاً. لكن الساعات مضت بطيئة ولم يفتح الباب أحد.

لم يدر كم مر من الوقت حين سمع جلبة فى الردهة. راح يدق الباب بجنون، ففتح الباب وجه غير مبال. انهار محاولاً أن يشرح ما حدث له، لكن الحارس دفعه أمامه. وفى الردهة الضيقة شاهد لافتة مكتوباً عليها (غرفة الإعدام). تخاذلت قدماه صارخاً أن هناك خطأً شنيعاً، وأنه بالتأكيد ليس هو المقصود، ولكن الخطاف المعقود على مقاس عنقه بالضبط، كان له رأى آخر.

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.