أيمن الجندى يكتب | الشر النبيل

أيمن الجندى يكتب | الشر النبيل

د.-أيمن-الجندى1

صديقان يمشيان فى ممر هادئ بين الأشجار. الممر تغلب عليه الأناقة ولكنه بلا روح.

«تبدو شاردا هذه الأيام. فيم تفكر؟». الثانى: (فى تردد) «أفكر.. أفكر فى الشر». الأول (بدهشة): «الشر؟ ماذا تعنى؟». الثانى: «كنتُ بالأمس أقرأ فى تاريخ أجدادنا. منذ خمسة آلاف عام». الأول: «يا له من زمن بعيد».

الثانى (فى حنين): «ولكن أتعلم؟ كانت أزمانا حقيقية! ليت هذه الأيام تعود». الأول: (يتأمله فى قلق) هل تهذى؟ تقول هذا فى عام ٧٠١٤؟ هل تريد أن تعيدنا إلى الأيام الوحشية؟ الغضب والقتل والجنون. الثانى (مبتسما): «وأريد أن أعود أيضا إلى السرقة والعنف والاغتصاب».

الأول (مضطربا): «ربما تكون بحاجة إلى مراجعة خريطتك الجينية؟ أو مكاشفة حكيم الأفكار بهواجسك». الثانى: «دعنى أشرح لك. كما تعلم لقد قطعت البشرية أشواطا بعيدة فى التقدم العلمى والتكنولوجيا. ابتكرت الآلات الذكية التى تقوم بكل العمل. فيما تفرغ البشر للفنون والآداب. منعت الشر. انخفضت نسبة الجرائم إلى صفر بعد أن وفرت لكل إنسان ما يحتاجه وساوت بين الجميع. وحتى الجرائم العاطفية انعدمت بعد أن استطاعوا صناعة أقراص الحب التى توجه عاطفة الإنسان إلى المسار الصحيح».

الأول: «حقا لا أفهمك. أليس هذا تطورا جيدا للبشرية؟ أليس هذا ما تمناه الأجداد؟». الثانى: «لم يخطر على بالهم أنه حين ينتهى الشر سوف ينتهى الخير فى الوقت نفسه». الأول (فى حيرة): «لا أفهم».

الثانى (فى ثقة): «فلنتفق أولا ما هو الليل؟ أليس هو نقيض النهار؟». الأول: «بلى». الثانى: «هل يمكن أن نعرف اللون الأبيض إذا لم يوجد اللون الأسود». الأول (فى ثقة): مستحيل. الثانى: «وكذلك الخير والشر. لا وجود لأحدهما دون الآخر. حينما توجد رذيلة الشح توجد فضيلة السخاء. وبدون الغضب لا يوجد تسامح! وبدون الرغبة لا معنى للزهد، أليس كذلك؟». الأول: كلام معقول.

الثانى: «والآن بعد تقدم البشرية الهائل، والآلات الذكية التى تقوم بالعمل، ورغباتنا التى تُلبى بالكامل، لم يعد هناك معنى لاقتراف الشر». الأول (موافقا): «بالفعل. أنا لم أقترف شرا قط». الثانى: «وبالتالى لم تفعل خيرا قط. لأنه لا يوجد خير بدون شر».

الأول (مرتبكا): «ما هو المطلوب منى؟؟». الثانى: «ينبغى أن تضحى. لا بد أن تفعل الشر». الأول (مترددا): «إذاً لا بد من فعل الشر كى يوجد الخير». الثانى: «بالتأكيد».

الأول: «يا لها من تضحية!». الثانى: «ستكون أول من يفعل الشر منذ خمسة آلاف عام». الأول: «وماذا تقترح أن أفعل؟». الثانى: «شيئا شريرا. اسلبنى طعامى مثلا». الأول: «ولكن عندى الكثير منه!». الثانى: «اسرق مالى». الأول (مبتسما): «أنت تعرف أن كل شىء فى عالمنا مجانى». الثانى: «اقهرنى. اجعلنى خادما لك». الأول: «ما الفائدة والآلات تخدمنى أفضل منك؟». الثانى (محبطا): «يبدو أن الشر صعب جدا». الأول: «بالفعل. لا أدرى كيف كان يصنعه الأجداد؟».

الثانى (فى إعجاب): «يا لهم من أجداد رائعين!». الأول: «لم يكونوا خائرى الهمة مثلنا». الثانى (وهو يضع ذراعه على كتف صاحبه): «لاحظ أن أى فعل يؤدى إلى خير فهو خير حتى لو كان شراً». الأول: «اشرح لى هذه الجملة الأخيرة بالتفصيل».

وتبتعد أصواتهما وهما يوغلان فى الممر المزدان بالأشجار، والخالى رغم ذلك من البهجة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.