أيمن الجندى يكتب | العدل بتاع ربنا

أيمن الجندى يكتب | العدل بتاع ربنا

د.-أيمن-الجندى1

شرع ينظر للمعلم فى غضب، وهو يضرب بقسوة أضعف الطلاب وأفقرهم، معاقبا إياه على إهماله الواجب المدرسى، والحقيقة لأنه لم ينتظم فى الدرس الخصوصى. وبغتة أدرك على الفور أن (الظاهرة) قادمة. تعملقت إرادته الصلبة، وشد بكل ما فيه من عزم وإصرار. وقال فى عقله مخاطبا قلب المعلم: « قفْ. آمرك أن تقف». وبالفعل اختلج قلبه توطئة لأن يقف. وخر المعلم ساقطا على وجهه كتمثال يطيع قانون الجاذبية.

منذ طفولته وهو يعرف أنه مختلف! هذه القوة الذاتية المخيفة التى تتلبسه فجأة، وتقدر على إنفاذ الإرادة. أن يملك زمام الأمور، ويترامى مجال الفعل أمامه بلا حدود. أن يريد فيحدث، ويأمر الشىء فيمتثل، ويحدد مصائر البشر.

اعتاد أن يسميها (الظاهرة). لا يعرف هل كانت موجودة منذ البداية أم تم اكتسابها!. كل ما يذكره أنه كان يلهو بالدراجة تحت منزله، حين أوقعه جاره على الأرض، وفى برود مذهل امتطى دراجته متلفتاً إلى الوراء ضاحكاً ليغيظه. استجمع كرامته المبعثرة وركبته التى أدماها الارتطام بالأسفلت، وركض خلفه ثم توقف بعد استجلاء موازين القوى، التى كانت تميل بشدة لصالح غريمه العدوانى. وقتها فقط حدثت الظاهرة. تيار كهربائى صاعق انبعث فى جمجمته خلف جبهته، ثم سرى نحو أطرافه. وسمع صوتا آمرا فى عقله يخاطب الدراجة:«اسقطى»، ووسط ذهوله انهارت الدراجة.

ولعدة أيام قادمة ظل بين التصديق والتكذيب. حاول عشرات المرات أن يأمر الأشياء بالتحرك دون فائدة.

بعد عدة تجارب مماثلة اكتشف بالتدريج أن (الظاهرة) تحدث فقط حين يغضب. ولم يكن شىء يغضبه كالظلم. سيان أن يقع عليه أو على غيره، حينئذ يتملكه الجنون.

بعد بضع سنوات جاء الدور على جاره فى العمارة. حينما سمع زوجته تشكو لأمه أنه يضربها. سمع تفاصيل البخل والقسوة والخيانة فتملكه الغضب. واندلعت الظاهرة فأصدر أمرا بالشلل. شاهد الجلطة وهى تسد شريان المخ، وجانبه الأيمن يفقد الحركة بالتدريج.

مبعوث العدالة فى الأرض، هكذا هيمن عليه إحساس القوة. وقال لنفسه إن العناية خصته بهذه القدرة الاستثنائية التى لم يحصل عليها بشر لإنفاذ العدالة وإنقاذ المظلوم.

وهكذا بدأ فى صمت ينفذ عدالته الخاصة. امتلأ بقوة عجيبة، واندفع إلى قلب المعركة، وانصهر فى أتون الأقدار الملتهب، يتحكم فى أقدار البشر ويغير المصائر ويفصل بين الظالم والمظلوم.

لكن وجوه ضحاياه كانت بعدها تظهر له. لم تكن تأتى غاضبة وإنما مُفسرة. المُعلم أخبره أنه ضحية الفقر. والجار صارحه بأنه ضحية قسوة أبيه. وهكذا طالبوه بالعدل الكامل والقصاص. ولم يكن أمامه سوى أن يستدعى أرواح الأجداد من عالمهم الخفى، وانعقدت المحاكمة، لكنهم رموا باللوم على الجيران. جاء الجيران الذين قرروا أن الحكام هم أصل الظلم، فتم استدعاؤهم. ولكن الحكام رموا بالملامة على المحكومين. وهكذا دارت دائرة من الظلم متصلة ببعضها، فإذا بالكوكب الأرضى من لدن عهد آدم إلى اليوم أمواج متراكبة من المظالم والهموم. وإذا وراء كل ضحية جان، ووراء كل جانٍ جان آخر، هو ضحية له. الكل ظالم والكل مظلوم.

وأدرك أن العدل الجزئى هو ظلم آخر، وأن العدل الشامل النهائى لن يكتمل إلا يوم الحساب الأكبر، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.