أيمن الجندى يكتب |مصر الحقيقية

أيمن الجندى يكتب |مصر الحقيقية

د.-أيمن-الجندى1

 

كان أمامى، جالسا على المقعد الخشبى العتيق، فى قطار الدرجة الثالثة. بثياب رخيصة متسخة وحذاء أنيق فاخر! شرعت أرمق الحذاء فى دهشة، ولم أكن أعلم أنه سيقودنى إلى مصر الحقيقية.

حينما أعلمنا المُحصل فى محطة إيتاى البارود أن القطار تعطل، وأننا يجب أن نسارع بركوب قطار الدرجة الثالثة الموشك على التحرك، فإننى لم أتردد، وإنما اختطفت حقيبتى الصغيرة واندفعت كزوبعة إلى القطار. كنت قد بلغت من النضوج ما يجعلنى لا أضيع الوقت الثمين فى مشادات كلامية لا طائل منها، أو ألوم المحصل على أشياء لا ذنب له فيها.

وتحرك القطار وتحرك معه كل شىء، النوافذ والأبواب والمسافرون. وشرعت أتأمل من حولى. مرحبا بمصر الحقيقية التى لا تعرفها النخبة. الوجوه المجعدة الموسوم عليها الشقاء. والأجيال الجديدة تنطق بالكبت والرغبة فى الحياة. والبنات شاحبات كزهور غير معتنٍ بها، والنساء قد طبعهن الهم، يجمعن أطفالهن حولهن كحزمة بقدونس خضراء.

وانتبهت من أفكارى الداخلية حين شاهدت رجلا عجوزا سبعينيا يجلس على المقعد المقابل. وخالطنى شعور مبهم بأن هناك شيئا ما خطأ فى هيئته. وعاودت تأمله بتأنٍ ففطنت إلى موضع التناقض. كان وجهه ذابلا كشأن من كابد مرارة العيش، وثيابه رخيصة وغير مهندمة، لكن حذاءه كان من النوع الفاخر، ماركة عالمية مستوردة يتجاوز سعرها خمسمائة جنيه على الأقل. لو كانت قديمة لقلت إن أحدهم قد تصدق عليه بها، لكنها كانت جديدة لامعة، مما جعل التناقض يستوقف الأنظار. ولم أكن أعلم إن الإجابة ستأتينى بعد قليل.

بعد السلام والتحية، ومجاذبة الحديث قال لى الرجل العجوز: «أنت دكتور؟». قلت ضاحكا: «صح يا حاج. عرفت منين؟». قال ببساطة: «باين عليك». ثم أردف فى تشكٍ: «السكر مبهدلنى، ورجلى لا أشعر بها، ومليئة بالجروح». ومد قدمه، ثم سكنت عيناه على الحذاء، ثم تبدلت ملامح وجهه وتوقف عن الكلام وشرع يرمق الحذاء فى غرابة.

«إيه ده؟». خرجت منه فجأة وهو يخلع الحذاء. «الجزمة دى مش بتاعتى». وأمسك بالحذاء وشرع يتأمله فى دهشة. ثم خبط على جبينه قائلا: «لا حول ولا قوة إلا بالله. أنا شكلى لبست جزمة تانية».

وشرع يحكى أنه كان فى مسجد بدمنهور حينما امتلأ بحشد من المصلين ذوى الأناقة الذين جاءوا لصلاة الجنازة. وحين خرج من المسجد لم ينتبه وارتدى هذا الحذاء. قلت فى دهشة: «لكن القدم يشعر بحذائه المعتاد يا حاج». قال فى أسف: «رجلى مابتحسش يا بنى. الله لا يوريك».

قلت ضاحكا: «على فكرة يا حاج. الجزمة دى تمنها أكتر من خمسميت جنيه». فرماها من يده كأنها حية سامة. قال فى انزعاج: «أعوذ بالله».

وبدا الرجل حاملا للهم بشكل ظاهر. قلت: «إنت فاكر مكان المسجد؟». قال فى أسف: «لا والله». قلت مواسيا: «معلش أكيد استعوض ربنا». قال فى ضيق: «زمان صاحبه فاكرنى حرامى!».

وأبطأ القطار وقد وصل إلى محطة كفر الزيات. وإذا بالرجل العجوز ينتفض ويتسلل بين الأجساد المتلاصقة. سألته فى دهشة: «إنت رايح فين يا حاج؟». قال متعجلا: «حارجع دمنهور وأدور على المسجد، ورزقى على الله».

وقفز من القطار بنشاط لا يناسب عمره السبعينى. وشاهدته من النافذة وهو يجد فى السير. ودمعت عيناى وأنا أهمس: «مرحبا بمصر الحقيقية».

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.