أيمن الصياد يكتب | أيام البراءة الأولى

أيمن الصياد يكتب |  أيام البراءة الأولى

ايمن الصيادلا شىء جديدا يُقال، هى دائرة العنف والجنون المفرغة ذاتها، تسكب مزيدا من الدماء والحمق على أتون نار مشتعلة أصلا.هى الدائرة المفرغة ذاتها تدور بالمصريين صخبا ودماءً وادعاءات وتناقضًا وأكاذيب فجة ملونة، ثم تلقى بهم بعيدا مرهقين. فى صحراء بلا بوصلة، وتيه بلا يقين.هى الدائرة المفرغة ذاتها، داخ المصريون من الدوران فيها. فغامت بهم الرؤى، فغابت، أو كادت ــ معالم طريق وقفوا على أعتابه قبل سنوات ثلاث.يومها كانوا يرون الطريق كما الأفق باتساع الحلم: «عيش.. حرية.. عدالة.. وكرامة إنسانية»، ثم كان ما كان: تشعبت بهم الطرق.. فغاب الأفق.ظن بعضهم أنهم وحدهم ﴿قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾، فضاعوا وأضاعوا. وعندما أدرك من أدرك فداحة الثمن كان الوقت قد فات. فالطرق تباعدت، والسبل تقطعت، والأفق تغطى بدخان التفجيرات والقنابل المسيلة للدموع. وإسفلت الميادين ارتوى حتى شبع بالدماء. والمشاهد المجنونة المتلاحقة أذهلت العقول. ثم كانت المأساة عند «ذروة المشهد» عندما بدا وكأن «النظام» الذي كان الناس قد ثاروا عليه، قد عاد بأولئك أنفسهم الذين كانوا قد ثاروا عليه، إلى «الميدان» نفسه، أو بالأحرى الميادين نفسها «ليحتفلوا بعودته» (!).كأنها حبكة «سادية» لدراما إغريقية مجنونة. «من لم يفقد من المصريين حياته، فقد يقينه».أيا ما كان الأمر، فهناك «واقع شعبي» الآن ليس من حق أحد إنكاره. كما ليس من حق أحد أيضا، مهما حاول ــ أن ينكر مسؤوليته عن طريق أوصلنا إلى هنا. وإن كان علينا أن نتفهم «المشاعر الإنسانية» في الحالتين.هي «لحظة اللا يقين» بامتياز.أعرف كثيرين توقفوا عن قراءة الصحف ومتابعة التلفاز. وأعرف آخرين حزموا حقائبهم واشتروا بطاقات سفر ذات اتجاه واحد.•••ثم ماذا بعد؟سألنى رفيق المقعد بالأمس القريب فى الطائرة، والسؤال ذاته ألقاه بوجهى موظفو مطار القاهرة الذين كادوا أن يحولوا بينى وبين الذهاب دون أن أجيب. حكوا لى كيف أنهم قبل أعوام ثلاثة (فى أجواء مشاعر وطنية ما بعد يناير المخلصة الصادقة) تقدموا بطلب جماعى للتبرع بخصم جزء من مرتباتهم الشهرية لصالح إعادة بناء مصر. وكيف أنهم «هم أنفسهم، لا غيرهم» بعد عامين فقط من الطلب الأول أضربوا عن العمل مطالبين بزيادة الأجور. والمقارنة لا تحتاج إلى تعليق. كأن الناس كانوا قد أصبحوا غير الناس. أو كأن «وطنهم» الذى أرادوا طائعين التضحية من أجله، لم يعد هو، يومها «الوطن» ذاته.فى مثل تلك الأيام قبل أعوام ثلاثة، كان الحال غير الحال. كانت نغمات هواتف المصريين كأنها «توافقت» جميعها على «يا بلادى.. أنا بحبك يا بلادى» لعزيز الشافعى ورامى جمال الذى فض الأمن حفلا لثالثهم؛ «رامى عصام» بمعرض الكتاب قبل أيام. وكان المصريون جميعهم يغنون مع «حمزة نمرة»، الذى لا يجد الآن قناة تذيع أغنيته الجديدة. وكان ميدان الخامس والعشرين من يناير يردد أغنيات الثالث والعشرين من يوليو، فى عفوية تقول بوضوح «وطن واحد.. وتاريخ واحد» قبل أن يخرج فى الميدان ذاته من يتحدث عن الستينيات «وما أدراك ما الستينيات». ثم يغزو الميدان ذاته من وصف ثواره بالعملاء وثورته بالمؤامرة.لم تكن المنصات تعددت. ولم يكن أحدٌ يسأل أحدا عن ديانته أو مذهبه أو انتمائه السياسى. لم يكن أحدٌ يفتش فى ضمير أحد أو «يشقِّق عن قلبه».فى مثل هذا اليوم تحديدا «الثانى من فبراير ٢٠١١» تصدى «ملتحون» للدفاع عن الميدان دون أن تعنيهم هوية من فيه، وعلى أى مذهب يقيمون الصلاة. وفى مثل هذا اليوم تحديدا، حاول ضابط الجيش المسيحى «النقيب ماجد بولس» بمسدسه حماية متظاهرى الميدان من هجوم بلطجية «النظام القديم».وفى مثل تلك الأيام، قبل سنوات ثلاث، وتحديدا فى تلك اللحظة العبقرية من ظهيرة الحادى عشر من فبراير، والتى لن أمل التذكير بها كانت مصر «كلها» برجالها ونسائها، وفقرائها وأثريائها، ومسلميها ومسيحييها، وشيوخها وشبابها، ومحجباتها وسافراتها يرددون خلف الشيخ محمد جبريل دعاء القنوت يطلب فيه من العلى القدير «أن يزيح عنا الغمة» قبل أن نصل إلى حالة يتخاصم فيها أصدقاء العمر، ويطلق الرجل زوجته لأنها تشجع هذا الفريق دون ذاك.يومها، اختلطت دماء من حملوا أرواحهم على أكفهم. وتعاضدت أيادى من حملوا نعوش هذا وذاك، قبل أن يأتى يوم تُمنح فيه صكوك «الشهادة» على الهوية.كأن «الميدان» غير الميدان، وكأن «الناس» غير الناس.كان «الميدان» يومها غير ما صار إليه، وكان الناس وقتها غير ما أصبحوا عليه.•••يومها كان الشباب الثائر فى «الميادين» قبل أن يذهبوا بهم إلى «الزنازين».ويومها كانت وسائل الإعلام تتحدث عن «الورد اللى فتح فى جناين مصر»، وكان ممثل المجلس العسكرى يرفع يده بالتحية العسكرية «تعظيم سلام» لأولئك الذين ضحوا بأنفسهم من أجل وطنهم. قبل أن يرى البعض أن هذا «الورد»، هو الأكثر إزعاجًا لأنه لا يعرف «السمع والطاعة». وقبل أن تتجاهل وسائل الإعلام أغنية أنغام التى لم تعد بعد قديمة «شلتوا عن عيننا الستاير»، وتتفرغ بعض قنواته لتشويه أولئك الذين أسميناهم «وردا» فى يوم من الأيام.يومها، وبحكم توصيفها «ثورة» كان الناس يتباهون بأنهم كانوا فى الميدان، وبأنهم، كما فى كل الثورات اقتحموا مقرات «لأمن النظام»، وفتحوا سجون الظلم والاستبداد. قبل أن تتبدل «الأرض غير الأرض» ومعها ترتبك المعانى «والتعريفات»، بل والتوصيف أو «التكييف القانونى» للواقعة. فينسى من ينسى أن «الثورة» تعريفًا هى فعل مخالف للقانون. بكل ما يحدث فيها من وقائع تجمهر وشغب ومقاومة سلطات فضلا عن «محاولة قلب نظام الحكم»، فيصبح ما كان فخرا تهمة فى «صحيفة ادعاء».بعد أعوام ثلاثة بدا واضحًا وكأن «النظام» القديم يريد أن ينتقم من لحظة اجتمع فيها الشعب كله على شعار واحد «الشعب يريد إسقاط النظام». طالت سهام التشويه كل شىء. بداية من شباب صغير دعا أو شارك فى محاولة إسقاط استبداد وفساد هذا النظام، وليس نهاية بوائل غنيم المتهم بعمالته فضلا عن «ماسونيته». أو محمد البرادعى، حاضرا وغائبًا (!). وللإنصاف أعود فأذكر بأن محاولات التشويه تلك، وإن كان قد شارك، بل وأدار بعضها الإخوان أنفسهم، إن مباشرة أو من وراء ستار، إلا أنها بالمصادفة لم تختلف عن بعض هزلٍ فيما يُنسَبُ إلى هذا الإخوانى أو ذاك من اتهامات. كما أنها، «للمفارقة» لا تختلفُ فى حمقها أو خبثها، وبغض النظر عن النوايا عن محاولات تشويه للقوات المسلحة والقضاء لا تفرق بين «المؤسسة» كمؤسسة وبين أفراد منتمين اليها (هم ككل البشر يخطئون ويصيبون). غافلة فى بعضها عن أهمية أن يظل جيش مصر، كما هو فى نظر المصريين قويًا متماسكًا. وعن حقيقة أن لا أسرة تقريبًا فى مصر لم يشرف فرد منها بالخدمة يومًا فى قواتها المسلحة. وغافلة فى بعضها الآخر عن خطورة الإقدام «دون حذر» على ما من شأنه جر الجيش إلى «مستنقع السياسة»، أو التهور بما من شأنه شق صف القضاء، أو اهتزاز ميزان العدالة فى نظر الناس.•••يتحسر البعض على «ميدان» خرج المصريون إليه يوما يطالبون «بإسقاط النظام»، ثم بدا وكأنهم يخرجون اليوم يطالبون بعودته (أو على الأقل يحاول البعض تسويق ذلك)نحاول ألا نصدق. ولكن يبدو أن المعضلة الحقيقية (فى لحظة اللا يقين تلك) لم تعد فقط فى أن فى مصر الآن من يريد أن يحكم بطريقة مبارك، وإنما فى أن هناك من لا يمانع فى أن يكون «محكوما» بطريقة مبارك ذاتها التى خرج يوما ليثور عليها. وأخشى أن هؤلاء الآن «بعد عام من حكم الإخوان» أصبحوا أغلبية. رأينا على شاشات التلفزيون مواطنا بسيطا يرى أنه لا داعى لإضاعة الوقت والجهد والمال فى الانتخابات التى هى «رذيلة لأنها أتت لنا بالإخوان الذين يسموننا بالعبيد.. ولا نريد أن تأتى لنا بهم مرة أخرى» (!). كما رأينا على شاشات التلفزيون أيضا صحفيا يكتب فى صحيفة بارزة، بدا أنها لم تصدر، (مثل غيرها) إلا لتشويه ٢٥ يناير يعتب على المنظمات الحقوقية «العميلة» التى تطالب بالديموقراطية. موضحا: أن الشرفاء لا ينبغى لهم أن يطالبوا الآن بالديموقراطية. وعندما استوضحه المذيع سائلا: متى إذن نطبق الديموقراطية؟ كانت إجابته قاطعة: بعد أن ننتهى من بناء مؤسسات الدولة، أى «بعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية» هكذا قال نصا. ولا أظن الإجابة تحتاج إلى تعليق•••وبعد..فلعلك أضعت وقتا فى قراءة هذه الكلمات.أو لعلى جددت عليك المواجع، أو نكأت جراحا قديمة فى الذاكرة.أعترف.. إذ لا شىء جديدا يقال، كما كتب الصديقان بلال فضل وباسم يوسف قبل أيام... فمعذرة

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.