إبراهيم عيسي| أكتوبر المظلوم

ابراهيم-عيسى

ليس هناك أكثر مجدًا من ٦ أكتوبر، لكننا ظلمناه جدًّا..

هذه حرب البطولة المصرية المذهلة.

لكننا أهدرنا عظمته بالسياسة.

كأن حظ ٦ أكتوبر أن تطارده السياسة حتى بعد مرور أربعين عامًا على معجزته.

من لحظة وقف إطلاق النار فى المعركة بدأ إطلاق نار السياسة ضد هذه الحرب. الخلاف الذى نشب مكتومًا ثم مُعلَنًا وسخيفًا بين سعد الدين الشاذلى والرئيس السادات، ثم تمدد ليشق خلافًا مشوشًا، خصوصا مع مسار السادات السياسى بالصلح مع إسرائىل، فأمطرت الخلافات رذاذًا أسود على ٦ أكتوبر، وتكالبت المواقف الكارهة للرئيس السادات ولسياسته من قطاع واسع من المثقفين واليساريين والناصريين على إغفال أكتوبر، وتجاهله كحد أدنى والتهوين منه كحد أقصى، والانشغال بغرفة عمليات الحرب أكثر من رمال المعركة كطريقة للإفلات من التعظيم والتخليد للحرب، طعنًا فى السادات، وعدم الرغبة فى منحه سلاح النصر فى الجبهة ضد العدو ليهزم به خصومه فى الجبهة الداخلية.

قضت السياسة وصراعات ما بعد أكتوبر على قومية ووطنية البطولة العظمى فى هذه الحرب، وصارت جزءًا من حسابات التنابز والاستغلال السياسى، خصوصا أن الإخوان والتيار المتأسلم من حلفاء السادات الذى أتاح لهم الظهور والتمكين فى الشارع لم يعتبروا أى أهمية لأكتوبر، فهو تيار غير وطنى وكاره للجيش وبطولاته، بالعكس حاول أن يجعل من أكتوبر مكسبًا دعائيًّا لمشروعه المتاجر بالدين، فبدأ يحكى عن الملائكة التى حاربت فى أكتوبر، كأنه يسحب عن الجندى المصرى قدرته وبطولته، ومن الجيش تخطيطه وانتصاره.

ثم جاء مبارك، ورغم أنه كان أحد أبطال الحرب فإن هذا كان نقمة أخرى على ذكراها العظيمة وحضورها فى وجدان المصريين، فقد طغى الإعلام المنافق على هذه الذكرى، وحوَّلوا كل ما فيها إلى مجرد طبل أجوف من النفاق للرئيس، وصنعوا من مشاركته ومن سلاحه وطلعته الجوية هى وحدها الحرب والبطولة والمجد والشجاعة والنصر، فما كان من النفاق إلا أن شوَّش وشوَّه ٦ أكتوبر عند الشعب، وجعل منه «أوبريت» لنفاق الرئيس، وعشنا ثلاثين عامًا، ليس أمام الناس إلا أكتوبر النفاق لا أكتوبر الحقيقى العظيم المذهل، وتربت أجيال على أكتوبر مسرحًا للترخص السياسى والرخص النفاقى، فصارت فجوة بين قلب المصرى و٦ أكتوبر، وباتت جفوة بين وجدانه وأكتوبر النصر والعزة.

الآن نحن أمام فرصة تاريخية، لنستعيد نصرنا وحربنا وبطولتنا من وضاعة السياسة، ويصبح أكتوبر كما هو وكما نعرفه عز المواطن ومجد الوطن.

المصدر | جريدة التحرير

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.