إبراهيم عيسي يكتب| تديُّن قطاع الطرق

ابراهيم-عيسى

لا حل آخر صدقونى، كل ما يردده البعض من حلول سياسية أو اقتصادية للواقع المصرى «بل والعربى» الراهن لن تنجح إطلاقا إذا لم نبدأ بالحل الجذرى الحاسم الفاصل.

لا إصلاح سياسى «ولا حتى ثورة ناجحة» ولا إصلاح «ولا طبعا نهوض» اقتصادى قبل أن نفعلها، قبل أن نقرر ونبدأ الإصلاح الدينى.

العقل المصرى مُستباح ومعرَّض للتحريف والتخلف من هؤلاء الوعاظ والدعاة والمتاجرين بالدين والمتطرفين آكلى عقول البشر.

للأسف لا أحد منتبها، وبعضنا يرفض المتاجرة بالدين إذا كانت ضد مصالحنا، بينما يرحب بها إذا كانت تخدم أهدافنا السياسية.

هذه كارثة ليس أكثر منها وضوحا إلا اللعب بمصطلح السلفية، سواء من التيار السلفى أو الإخوانى السلفى أو المتطرف الإرهابى السلفى. فكلهم يتصارع على تقديم وجههم من السلفية على اعتبار أنها السلفية الحقة. دعنى أعود إلى الشيخ محمد الغزالى وهو يصف السلفية قائلا:

«إن السلفية ليست فرقة من الناس تسكن بقاعا من جزيرة العرب، وتحيا على نحو اجتماعى معين.

إننا نرفض هذا الفهم ونأبَى الانتماء إليه.

إن السلفية نزعة عقلية وعاطفية ترتبط بخير القرون، وتعمّق ولاءها لكتاب الله وسنة رسوله، وتحشد جهود المسلمين المادية والأدبية لإعلاء كلمة الله دون نظر إلى عرق أو لون.

وفهمها للإسلام وعملها له يرتفع إلى مستوى عمومه وخلوده وتجاوبه مع الفطرة وقيامه على العقل».

يعطى الغزالى إذن للسلفية معناها الواسع الفضفاض الذى يضم معانى وقيمًا عُليا لا تفاصيل الحشو والشكل. ثم ها هو ذا يضيف عن السلفية بقوله:

«* وقد رأيت أناسًا يفهمون السلفية على أنها فقه أحمد بن حنبل رضى الله عنه، وهذا خطأ، فقه أحمد أحد الخطوط الفكرية فى الثقافة الإسلامية التى تسع أئمة الأمصار وغيرهم مهما كثروا.

* ورأيت ناسًا يفهمون السلفية على أنها مدرسة النص، وهذا خطأ؛ فإن مدرسة الرأى كمدرسة الأثر فى أخذها من الإسلام واعتمادها عليه.

وقد كان من هؤلاء من تسموا أخيرًا بأهل الحديث، وسيطرت عليهم أفكار قاصرة فى فهم الأخبار المرويّة، وأحدثوا فى الحرم فتنة منكورة.

والحديث النبوى ليس حكرًا على طائفة بعينها من المسلمين، بل إنه مصدر رئيسى للفقه المذهبى كله.

* ورأيت ناسًا تغلب عليهم البداوة أو البدائية، يكرهون المكتشفات العلمية الحديثة، ولا يحسنون الانتفاع بها فى دعم الرسالة الإسلامية وحماية تعاليمها. يرفضون الحديث فى التليفزيون مثلا؛ لأن ظهور الصورة على الشاشة حرام! ويتناولون المقررات الفلكية والجغرافية وغيرها بالهزء والإنكار!! وهؤلاء فى الحقيقة لا سلف ولا خلف، وأدمغتهم تحتاج إلى تشكيل جديد!

* ورأيت ناسًا يتبعون الأعنت الأعنت، والأغلظ الأغلظ، من كل رأى قيل، فما يفتون الناس إلا بما يشقّ عليهم، وينغص معايشهم، ويؤخر مسيرة المؤمنين فى الدنيا، ويأوى بهم إلى كهوفها المظلمة!

وهؤلاء أيضا لا سلف ولا خلف، إنهم أناس فى انتسابهم إلى علوم الدين نظر، وأغلبهم معتل الضمير والتفكير».

لا يكتفى الغزالى بهذه الجرأة الرائعة التى يسحب فيها عن كل هؤلاء المتنطعين احتكار وصف السلفية بل يعرى تخلفهم ورجعيتهم ويصِمُهم بأنهم لا سلف ولا خلف، بل يكاد يحكى عن وضعنا اليومى فى مصر الآن حين يكتب:

«* ورأيت ناسًا يقولون: إن آية (وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) (البقرة: 190) مرحلية، فإذا أمكنتنا اليد، لم نُبق على أحد من الكافرين!

قلت: ما هذه سلفية، هذا فكر قُطاع طرق لا أصحاب دعوة شريفة حصيفة، وأولئك لا يؤمنون على تدريس الإسلام لجماعة من التلامذة».

نحن مطالبون بحماية وحصانة المواطن المصرى فقير المعرفة ضحل الثقافة الدينية المضحوك عليه من هؤلاء جميعا. فهل نفعل؟

 

المصدر جريدة/ التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.