إبراهيم عيسي يكتب| فقه الأولويات الوطنية

ابراهيم-عيسى

المفصَّل فى كل ما نقرره الآن فى مصر هو الإجابة عن هذا السؤال:

هل هناك أولويات ضرورية نلتزم بها أولًا ومبدئيًّا؟ أم أن كل الأهداف على درجة واحدة من التساوى؟

قبل أن تجيب عن هذا السؤال دعنى أذكِّرْك بأن سيدنا محمدًا بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وضع أولويات للرسالة المحمدية، وهو يبشر بها الناس، وكان التقريب والتحبيب والترغيب مقدَّما على الترهيب والترعيب. وأن الله سبحانه وتعالى، فى آيات القرآن المكية كان يوحى إلى رسوله بالعموم من الإيمان، بينما جاءت الآيات التى أوحى بها وأنزلها على نبيه فى المدينة تفصيلية، ثم لم يأمر بمنع الخمر مثلًا فى أولى أولويات الإسلام، حتى إنه لم يفرض الصلاة مع أول الإسلام.

أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، وضع أولويات تماسك الأمة بعد وفاة النبى قبل أى أولوية أخرى، وتثبيت الحكم قبل اتساع الدولة. كذلك عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، كان يبدع فى الاجتهاد عندما رأى عدم توفر شروط حد قطع اليد فى أثناء المجاعة، وكانت الأولوية هى إنقاذ الناس من الجوع لا مطاردة اللصوص بالحدود.

أما لو كنت ممن يقولون عن أنفسهم إنهم اشتراكيون، فلك أن تعود إلى تاريخ «لينين وستالين» حيث الأولويات حاكمة فى خطة بَلْشَفة الاتحاد السوفييتى. ولو كنت ليبراليًّا فلك أن تراجع الفكرة كلها، لأنها قائمة على الأولويات فى كل شىء، وهى براجماتية وواقعية وعملية، ولهذا نجح كل هؤلاء فى ما خططوا له.

أولا، لأنهم خططوا، وثانيا لأن لديهم أولويات التزموا بها ولم يستغرقوا أنفسهم فى الثانويات والهامشيات والنظريات وما يعتبرونه، عن جهل، مثاليات.

نرجع إلى مشكلة مصر الآن.. وهى المزايدة والابتزاز، كله على كله نتيجة ضياع الأولويات. بل وصارت أولوية كل طائفة تحقيق رغباتها الأنانية وحاجاتها الفئوية وغرائزها الانتهازية قبل أى شىء آخر.

الشباب الفوضوى الذى يعتبر الفوضى ثورة. ويعتقد أن السفالة ثورية، والسياسيون محدودو الذكاء الذين يعتقدون أن حصولهم على مكاسب سريعة لن يتم إلا بالمزايدة والمتاجرة بالثورة، والمسؤولون عديمو الخيال الذين لا يفهمون حجم التفويض الشعبى الذى حصلوا عليه من الشعب ولا قوته، بل يتمسحون بمجموعات بلا حول ولا قوة، يحصلون منها على ختم الرضا، وهى مجموعات لن تمنحهم أبدًا رضاها، فيسقط المسؤولون بين الخوف من هذه المجموعات الاحتجاجية والسياسية والفوضوية، والعدوان عليها بمنتهى الغل والقسوة.

الوحيد الذى يعرف أولويته هو الشعب الذى يريد استعادة بناء دولة القانون والديمقراطية.

أما النُّخب الحاكمة أو التى تسمى نفسها سياسية أو التى تنصب وتدعى أنها ثورية فإنهم يخربون البلد، بل ولا شك عندى أنهم سوف يسلمونها -إذا استمروا هكذا- إلى الفوضى التى ربما فعلًا تكون هدفَهم الوحيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.