إبراهيم عيسي يكتب| لجنة الخمسين تقدم نظام حُكم حُمُّصِى على كسكسى

ابراهيم-عيسى

لجنة الخمسين تعبث فى مستقبلنا بمنتهى حُسن النية واللا مبالاة (والانتهازية عند البعض).

هى تلعب بالنار وغالبًا ستؤدى مواد نظام الحكم -إن إقرَّتها وإن وافق الشعب على الدستور- إلى شلل البلد. لجنة الخمسين وهى مرآة عاكسة لمصر وإن كانت تشبه مرايا بيت المرايا فى مدينة الملاهى تُضحِكُنا على نفسنا أكثر مما تظهر معها حقيقتنا.

لجنة الخمسين تقدم بابًا للحريات هو الأنبل والأجمل فى تاريخنا، لكنها تضع فى نظام الحكم موادَّ تنسف الدولة، حتى إننا قد لا نجد الدولة التى نمارس فيها هذه الحريات العظيمة!

فالهوَى الذى سيهوِى بمصر هو تحويلها إلى نظام سياسى حُمُّصى على كسكسى، بحيث تختلط صلاحيات الرئيس مع صلاحيات البرلمان، حتى إننا لن نجد رئيسًا يحكمنا ولا برلمانًا يمثلنا!

إزاى؟

أقول لك إزاى.

البكوات فى لجنة الخمسين يمنحون الرئيس منحة علوية ونفحة كريمة من حضراتهم بأنه هو الذى يطرح اسم رئيس الوزراء على البرلمان كى يتعطف ويرقّ ويتنازل البرلمان بالموافقة عليه.

طيب ولو رفضه؟

ساعتها يبقى الرئيس ملزَمًا بتكليف حزب الأكثرية بتشكيل الحكومة وعرضها على البرلمان فإن رفضها البرلمان يتم حله.

هذا كله سعادتك يعنى مسخرة كاملة تحت رعاية، وفى ظل حكماء لجنة الخمسين.

لماذا؟

ببساطة لأن مصر ليس بها حزب قوى رئيسى، يمثل عمودًا فِقريًّا فى الحياة السياسية، بل إن ما لدينا هو مجرد أحزاب صغيرة هشة تحت التكوين، بلا جماهيرية ولا وزن شعبى، مما يجعل البرلمان أرخبيلا من الأحزاب الصغيرة المتنافرة فى مجلس مفتت، فيمكن لأى مجموعة محدودة وصغيرة أن تضع العصا فى العجلة وتعطل تشكيل الحكومة لأسباب انتهازية بحتة أو لمصالح محدودة وضيقة.

هذا نفسه ينطبق على حزب الأكثرية الذى يظن بعض المتوهمين فى لجنة الخمسين أنهم أصحابه، فأىُّ حزب مصرى حالىٍّ من سابع المستحيلات أن يتمكن من حيازة أغلبية حقيقية فى الانتخابات، بل لعلنا لن نجد حزبًا يصل إلى ربع مقاعد البرلمان أصلا، مما يستوجب أن تكون حكومته ائتلافية تتكتل معه أحزاب أخرى كل واحد فيها يفرض شروطه أو يبتزّ الآخرين لاقتناص أغلى المكاسب، وهذا كله يقودنا إلى بلد مشلول ومقسوم وموزَّع على شوية صغار غَرْقَى فى الصغائر ومصلحة البلد تبقى فى أيدى هواة وحواة ويتحرق البلد (خد بالك أن حق سحب الثقة من الحكومة أو من أىٍّ من وزرائها فى يد البرلمان فى أى وقت.. ولكنّ هذا لا يشبع نَهَم بعض مالكى الأحزاب الفارغة)!

هذا النموذج فى الحكم هو باب للفوضى السياسية وتعطيل مصالح البلد (لا يزال البعض يريد أن يصيب الحياة السياسية بسرطان النظام الانتخابى المختلَط بين الفردى والقائمة، ولا يكتفى بالفشل الكلوى لنظام الحكم).

لجنة الخمسين تجعل مصر فى خدمة الأحزاب، لا أن تكون الأحزاب فى خدمة مصر. وتصنع كهنة وتجار سياسة ونهَّازى فرص يتحكمون فى مصير البلد فى وقت هى أشد ما تكون فيه احتياجًا إلى الانطلاق من تعثُّرها وعثْرتها.

إن موافقة ممثلى أجهزة الدولة من جيش وشرطة وأزهر وكنيسة وغيرها على هذه المواد دليل على أن البلد لا يحكمه رئيس ولا تديره دولة ولا يهتم بمصيره مسؤول.

دليل على أن مصر ليست فى يد مَن يستحقها، فقد تركوا مستقبل البلد السياسى مرهونًا بأحزاب فارغة، بلا قيمة، ورهينة فى أيدى أصحاب مصالح كما تركوها تمامًا لكل صاحب طائفة يهدد ويرغى ويزبد ويلعن ويبتزّ ويعلن أنه سينسحب من اللجنة لو لم يأخذ منابه من التورتة أو سيحشد ضد الدستور لو لم يستجيبوا لمطلبه.

إن إرهاب الإخوان والضغط الخارجى والأداء المهين للحكومة الببلاوية تدفع كثيرين إلى الموافقة على الدستور أيًّا كانت مواده، لكننى فى الحقيقة لا يمكن أن أسمح لنفسى بالتعرض لابتزاز الإخوان وإرهابهم من جهة، ولابتزاز لجنة الخمسين من جهة أخرى.

يجب أن لا يكون مستقبل مصر تحت تهديد الإرهاب أو الابتزاز، وليذهب الإخوان إلى الجحيم الذى يستحقونه، ولتذهب مواد نظام الحكم فى الدستور إلى الجحيم معها، ونقول لا للإخوان ولا لبؤس وخطيئة لجنة الدستور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.