المحاماة في خطر (3) ….. نقابـــة أفسدتها السياسة

لاشك عندى أن لنقابة المحامين دور وطني في مناصرة قضايا الوطن ، ودور إنساني في مناصرة كل قضايا حقوق الإنسان بوصفها المدافع الأول عن الحقوق والحريات على نحو ما ينبغي أن يكون لا على نحو ما هو كائن .
غير أن استغلال الدور الوطني للنقابة والسطو عليه من قبل السياسيين حوّل الدور الوطني الى دور سياسي ، فضاعت وماعت رسالة المحاماة ، وامتزجت مياه الحق والعدل والقانون ، والوطنية الطاهرة بمياه السياسة القذرة العكرة التي لا طهارة فيها .
وكان من أشد ما دفع برسالة المحاماة في مئويتها إلى حافة الخطر ، ما تعرضت له النقابة من عملية سطو سياسى ، حيث تحولت النعرات السياسية داخل نقابة المحامين بديلا للزعامة الوطنية ، وغرقت النقابة في مستنقع الصراعات السياسية بين المتناحرين فيها ، فضاعت مهنة المحاماة ورسالتها حين لم تجد من يدافع عنها ، فتدهورت أحوال المحاماة ونقابتها حتى وصلت إلى الحضيض مهنيا واجتماعيا .
وحتى نضع أيدينا على مواضع العلل في أداء القائمين على نقابة المحامين الآن علينا أن نعيد قراءة المشهد النقابي في مرحلة من أخطر المراحل في تاريخ نقابة المحامين كما هي الآن في تاريخ مصر كلها ، لنبحث عن السبب الحقيقي فيما آل اليه حال هذه النقابة العريقة .
فالزواج الباطل بين العمل النقابي والعمل السياسي هو السبب الفاعل والرئيسي فيما حدث ولا زال يحدث لنقابة المحامين ، فكان من أخطر ما فعلته السياسة بالنقابة أنها أفسدت المنظومة المهنية والنقابية والوطنية الصادقة المتجردة التى قامت عليها نقابة المحامين عبر تاريخها الطويل ، لقد فسدت منظومة العمل النقابي واختلت معاييره حين اختلط بالسياسة وتزاوج معها وأنجب منها .
وقد تتالت جنايات السياسة على النقابة حتى بلغت أخطر المراحل في تاريخها حين تسلط عليها الحزب الوطني الذي ما ترك شيئا نقيا في مصر حتى أفسده ، ولأن الحزب الوطني لا أدوات له غير الفساد والمفسدين فقد دفع الى النقابة بحفنة من رجاله المتشابهين في كل شىء رؤوس فارغة من العلم أو الفكر أو الرأي تبحث عن لقطة تليفزيونية أو وجاهة إجتماعية أو مصلحة انتهازية ، فراحوا يعيثون فسادا في نقابة المحامين مستخدمين في ذلك ذات أدوات الحزب المسخرة لهم ؛ من التزوير المادي الى التزوير المعنوي ، ومن الترغيب بالمصالح والخدمات ـ من ذهب المعز ـ للمؤيدين لهم الى الترهيب بالمكائد والعقوبات ـ من سيف المعزـ للمعارضين لهم .
ومن يتأمل المشهد الانتخابي الأخير قبل قيام الثورة في نقابة المحامين يدرك كيف بلغت أهمية نقابة المحامين لدى الحزب الوطني مبلغ ان يقف أحمد عز العقل المدبر للحزب بنفسه ليدير المعركة من خلال رجاله ويتابعها لحظة بلحظة حتى يطمئن تماما إلى اسكات صوت هذه النقابة العريقة الذي طالما دوى في جنبات الوطن دفاعا عن تراب اراضيه وحقوق بنيه .
ولم تسلم نقابة المحامين من الطموحات السياسية لجماعة الإخوان المسلمين الذين حاولوا الدلوف الى السياسة من بوابة النقابات المهنية بعد أن أوصد النظام السابق في وجوههم الأبواب الشرعية لتتحول معهم وبهم ساحات النقابات المهنية الى حلبة للصراع التاريخي لهم للوصول الى السلطة .
فكان الأداء الحاكم للإخوان المسلمين في صراعهم على مقاليد الأمور في نقابة المحامين لا يلتزم المعايير الأخلاقية التي يتغياها من يتحدث من منظور الدين ، وانما كان يقوم على قواعد اللعبة السياسية من منظورها اللا أخلاقي في تغييب كامل للضمير المهني والوفاء باستحقاقات رسالة المحاماة والحفاظ على نقابة المحامين ومصالح أعضائها . ولم يقدم الإخوان المسلمين على مدار ما يزيد عن عشرين عاما شيئا يذكر لمهنة المحاماة أو رسالتها أو نقابتها ، فكانت النقابة دائما مطية لطموحاتهم السياسية ، ووسيلة لإثبات براعتهم الانتخابية ، إذ كانوا دائما يوسدون الأمر لمن هو ليس أهل له ، يرشحون أهل ثقتهم وإن لم يكونوا من أصحاب الكفاءة والخبرة والإيمان برسالة المحاماة ، ويحشدون الأتباع ، ويطلقون الوعود التي سرعان ما تتبخر في الهواء بمجرد أن يؤول اليهم الأمر في نقابة المحامين ويطمئنوا على مقاعدهم فيها .
ولعل الدليل الأبرز على ذلك ما تشهده نقابة المحامين في دورتها الحالية التي يسيطر على مجلسها أغلبية إخوانية لا تكاد تشعر لها بوجود أو أثر في نقابة المحامين حيث تركت مصالح النقابة وهرولت خلف غنائم السياسة فلم يؤدوا الأمانة وتركوا المحاماة والمحامين والحق والقانون والنقابة وأموالها يعبث بها العابثون دون أن تتحرك لهم ذرة من ضمير .

وكما دخل الحزب الوطني والإخوان المسلمون الى نقابة المحامين فقد دخلت المعارضة الكارتونية الهزلية أيضا اليها متمثلة في التيار الناصري الذي يمثله النقيب الحالي بكل ما في الشخصية الناصرية من حب الزعامة وطغيان الأنا ، فراح يزهو ويفتخر أنه القادر وحده على إدارة الصراع مع الإخوان حتى وإن كان ذلك على حساب آخر قطرة في دماء المحاماة وآخر مليم في خزانة نقابة المحامين ذلك النقيب الذي عمل قبل الثورة على تقديم الإخوان المسلمون قربانا للحزب الوطني متصورا أنه الأذكي وأن الحزب سيحفظ له الجميل دون أن يخطر بباله أن الحزب الوطني ما هو إلا العقرب الذي سيلدغ الضفدع الذي حمله الى ضفة النهر لأن العقرب لا يغير طبعه ، فإذا به يسلم نقابة المحامين الى الحزب الوطني تسليم مفتاح وهي خراب ليضع الحزب حمدي خليفة يلهو فوق تل الخراب .
والسؤال الآن : هل حان الوقت ليخرج من الساحة كل الذين حاولوا الدلوف الى السياسة من بوابة النقابات المهنية بعد أن أوصد النظام في وجههم الأبواب الشرعية لتتحول معهم وبهم ساحات النقابات المهنية الى حلبة للصراع السياسي التاريخي في مصر ، وأن يخرج الذين أفسدوا هذه الرسالة النبيلة والمهنة السامية وليراجعوا أنفسهم ويعتذروا لنقابة المحامين . هل يخرجون بإرادتهم أم يرغمون على الخروج ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.