النص الكامل لبيان مجلس الدولة احتجاجا على سحب بعض اختصاصاته في الدستور

النص الكامل لبيان مجلس الدولة احتجاجا على سحب بعض اختصاصاته في الدستور

نادي قضاة مجلس الدولة

أصدر نادي قضاة مجلس الدولة بيانا حادا في ختام جمعية عمومية ساخنة عقدها أمس السبت احتجاجا على ما وصفه بالتعدي الصارخ على اختصاصات مجلس الدولة من قبل بعض من وصفهم بالمتآمرين ومن لجنة نظام الحكم بالخمسين وجاء نص البيان الختامي

  “مجلس الدولة ملك الشعب المصرى العظيم كان وما زال وسيظل حصن الدفاع عن حقوق وحريات المواطنين، تحيطه أحضان وقلوب وعقول الشعب النبيل، وتحميه صلابة أبنائه وقوة وإيمان شعبه ضد كل محاولات الاعتداء على اختصاصاته التى تمثل ضمانة أساسية لصد كل معتد أثيم، فقضاته كانوا ولا يزالوا لا يرهبون أحدا لقوته، ولا يخذلون ضعيفًا لقلة حيلته، تحلوا دومًا بالنزاهة والعفة والحلم، واستلهموا ما أرسوه شيوخهم من تقاليد راسخة وقيم ومبادئ رفيعة، حتى أضحى لمجلس الدولة شعبًا يحميه، قبل قضاته الأجلاء، ولا نرى فى لجنة الخمسين المعبرة عن ثورة الشعب المصرى سوى ممثلين لهذا الشعب الذى كلفهم بحماية اختصاص مجلس الدولة المقرر لمصلحة الشعب، والذى لن يسمح لأحد بأن يمرر أى اعتداء بليل، كما سبق أن تم تمرير دستور العجلة والندامة دستور 2012.
لقد كان مجلس الدولة دومًا الرافض لأى اعتداءات على غيره من الجهات القضائية فوقف ضد الحاكم الذى انتهك قدسية وحرم دور القضاء بالهجوم عليها تارة وبالاعتداء على اختصاصها تارة أخرى، وبحجب قضايا بعينها عن نظر القضاء لها، وبتحصين قراراته من الإلغاء، وبرفع شعار أنا ربكم الأعلى ثم بمحاصرة همجية للمحكمة الدستورية العليا من أهله وعشيرته الآثمة، وكان قُضاة مجلس الدولة المدافعين بأرواحهم عن القضاء بوجه عام ومجلس الدولة فى القلب منه، وقلنا له فى حينها بأعلى صوت، لقد فقدت شرعيتك الدستورية ولا طاعة لك لدى مخلوق بعد أن عصيت الله والشعب، وكانت أحكام مجلس الدولة قبل الخامس والعشرين من يناير 2011، وقبل الثلاثين من يونيو 2013 أهم أسباب تفجير ثورة يناير 2011 وثورة استكمال المسيرة وإعادة الثورة المسروقة فى الثلاثين من يونيو 2013.
وسقط دستور العجلة والندامة الذى صيغ بليل وأعده النظام المُباد بجمعية تأسيسة رأسها وتكونت غالبيتها العظمى من الأهل والعشيرة، وليصير أمر إعداد دستور الثورة معقودًا على كل من “لجنة العشرة من الخبراء” ولجنة وطنية شامخة، لجنة الثورة المجيدة وهى “لجنة الخمسين” بلجانها النوعية، وكان اختصاص مجلس الدولة راسخًا منذ سبعة وستين عامًا، واضحًا لا لبس فيه ولا غموض، وعزف قُضاة مجلس الدولة عن التدخل فى عمل لجنة نظام الحكم المختصة بإعداد وصياغة نصوص السلطة القضائية اطمئنانًا وثقة فى أن أحدًا لن يقوى على لى الحقيقة وتشويهها وتزييفها، إلا أن الأمر لم يكن كذلك، فقد ارتأت كل من هيئتى قضايا الدولة والنيابة الإدارية أن الأمر لا يتعلق باختصاصات ثابتة لا حياد عنها، وإنما اعتبرت اختصاصات مجلس الدولة “غنيمة” لا صاحب لها ولا بد من أن يقتنص كل منهما القدر الأكبر منها، وتكون لوبى الطرقات بمجلس الشورى كما سبق أن تكون فى العصر المُباد مع الجمعية التأسيسية مستخدمًا أسلوب التطفل على الأعضاء بكل الأساليب والوسائل ومحاولات الاستقطاب يمينًا ويسارًا وهى أساليب يعف اللسان عن ذكرها ونربأ بأى أحد ولو كان هيئة قضائية أن يتبعها، وصار الدستور لديهم مطلبًا فئويًا، وليس مصلحة عامة وعليا وضرورة حياة لإقامة دولة سيادة القانون وتحقيق حلم ثورة الشباب فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
وجدير بالذكر، أنه ليس صحيحًا أن المشكلة الآن تكمن فى الهيئات القضائية التى سعت لاقتناص الغنيمة، وأنه لا علاقة للجنة نظام الحكم أو لجنة الخمسين بهذا الخلاف، بل المشكلة فى النصوص المفاجئة التى وضعت بليل دون دراسة وبأغراض ومصالح خاصة وتبنتها لجنة نظام الحكم، سواء لهيئة النيابة الإدارية أو هيئة قضايا الدولة دون الاستماع لجميع وجهات النظر ودون الإحاطة الدقيقة بجميع الجوانب الفنية للموضوع، ولا يليق بلجان الثورة المكلفة بإعداد الدستور أن تتبع أسلوب المراضاة أو المجاملة والإصرار على فرض أمور ليس لها قبول جمعى، أو منطق علمى، أو وجه مصلحة اجتماعية عامة ملحة، إذ أن ذلك يصم عملها بالقصور الشديد، بل قد يصل إلى البطلان، ويضمن عمرًا قصيرًا لهذا الدستور. وهو ما لا يليق بتلك اللجان.
وما فوجئ قُضاة مجلس الدولة به من اعتداء جسيم على اختصاصاته، ودعا إلى عقد هذه الجمعية العمومية للانعقاد هو ما يلى:
1- نزع اختصاص مجلس الدولة بنظر القضاء التأديبى وإنشاء “جهة قضائية مستقله” تتولى الفصل فى الدعاوى التأديبية وإسنادها للنيابة الإدارية مع منحها اختصاص التحقيق فى المخالفات المالية والإدارية وتحريك ومباشرة الدعاوى والطعون والحكم فيها والطعن عليها!
2- نزع اختصاص مجلس الدولة بإعداد مشروعات العقود الإدارية باعتبارها جزء لا يتجزأ من اختصاص المجلس بمراجعة العقود التى تُعد مجموعة مراحل مرتبطة ومتكاملة، ونزع اختصاص المجلس بتسوية المنازعات التى تنظر أمامه، ومنح كل منهما إلى هيئة قضايا الدولة.
وإذ ترفض الجمعية العمومية لقضاة مجلس الدولة هذه الاقتراحات (الكارثة) والمهدرة والمعتدية على اختصاصات أصيلة مقررة لمجلس الدولة لصالح الشعب المصرى على مدى سبعة وستين عامًا، فإنها تحدد أسباب رفضها واحتجاجها الشديد فيما يلي:
وجدير بالذكر:
أن دستور 2012 الذى لفظته جماهير الشعب المصرى، قد سلب مجلس الدولة بعض اختصاصاته الجوهرية، وكان المجلس يأمل أن تصحح لجنة الخمسين هذا الخلل، إلا أنها ضيعت الأمانة وتسعى لاستكمال ذات النهج.
أن مشروع الدستور تضمن بعض النصوص المتعلقة بالسلطة القضائية التى وضعت بقصد تحقيق مصلحة هيئات بعينها بادعاء أنها تحقق الصالح العام دون حق، وذلك على الرغم من أن الدستور يقرر الأطر العامة لتنظيم السلطة القضائية فقط
أسباب رفض منح هيئة النيابة الإدارية اختصاص الفصل فى القضاء التأديبى ونزعه عن مجلس الدولة:
أولاً- أن مجلس الدولة قد خاض معركة طويلة فى مواجهة الجمعية التأسيسية الممثلة لنظام الإخوان الساقط ضد ما سمى بـ(القضاء الموحد) وشاركنا فى ذلك كل من قضاة المحكمة الدستورية العليا ورجال الفقه والقانون وجميع الحريصين على عدم سلب اختصاص مجلس الدولة، وأسقطنا أفكار القضاء الموحد التى استهدفت النيل من مجلس الدولة، لتطل برأسها أفكار ساقطة تتحدث عن تجزئة القضاء الإدارى لتنشئ جهات وهيئات قضائية تحصل كل منها على جانب من اختصاص مجلس الدولة، فذاك للقضاء التأديبى وهذا لقضاء العقود، والآخر لفصل الفتوى والتشريع عن المجلس، ومكافأة هيئة أو أخرى بها، وساء ذلك تقسيماً لا يهدف سوى إضعاف مجلس الدولة حامى الحقوق والحريات تحت دعاوى فاسدة تتهم قضاة المجلس باتهامات نربأ بأنفسنا أن ننجر ليس للرد عليها ولكن لتكرار مضمونها، ومن هنا نستنكر تمامًا أن تسمح لجنة الحوار المجتمعى بأن يكون هذا السباب تحت سمعها وبصرها وعلى الهواء مباشرة دون كلمة واحدة لرد المتحدث إلى صوابه بما مثل اعتداء مشتركًا على قضاة المجلس من المتحدثين والصامتين بالخبيث من القول الفاحش الذى نرفض أن يكون من هيئات قضائية لمجرد أنهم يريدون أن يكونوا قضاة، وهذا ما لا يجوز أن يكون على حساب مجلس الدولة، وكم من لقاء أجرته لجنة الحوار المجتمعى مع طوائف المجتمع من الأطفال وذوى الاحتياجات الخاصة وغيرهم، وكان لائقًا بدور اللجنة، مما جعل تلك الجلسة المليئة بالاعتداءات نشازًا ممجوجًا ومرفوضًا.
ثانياً- أننا نستنكر أن يتم اقتراح فصل القضاء التأديبى عن مجلس الدولة وإنشاء جهة قضائية أخرى مستقلة تسند للنيابة الإدارية، وقد علم القاصى والدانى بأن مقدم الاقتراح بليل وبسرعة تفوق سرعة الجمعية التأسيسية فى سلق دستور 2012 وبعد محاولات إقناع بعض الأعضاء المحترمين هو (عضو احتياطى) سبق له أن طالب بإلغاء هاتين الهيئتين ورفع لفظ القضائية عنهما، ليأتى بليل ليروج لنصوص لا يعى معناها، فى الوقت الذى لا يجوز له لا الاقتراح ولا المناقشة ولا التصويت، مما يشوب ما جرى من تصويت فى جلسة واحدة وفى غيبة الكثير من الأعضاء الأساسيين بالبطلان، فإذا كان أُضيف إلى ما تقدم أن العضو الاحتياطى المحترم صاحب مصلحة خاصة فى طرح الاقتراح والتحفيز على إقراره بأن ثبت أن له ابنة بالنيابة الإدارية صار الأمر مشوبًا بتعارض المصالح الذى يبطل ويفسد كل شىء.
ثالثاً- أن هيئة النيابة الإدارية لم تكن يومًا تطالب بذلك، وإنما كان شاغلها العودة إلى ما تقرر لها فى دستور 2012، وكنا ولا زلنا نتمنى أن تركز فى تمكينها من اختصاصات أوسع فى تحقيق المخالفات المالية والإدارية وكشف الفساد الإدارى، دون أن تدخل المنافسة على مزاد بيع اختصاصات مجلس الدولة مع الداخلين فيه ممن يعادون شعب مصر ولا هم لهم إلا مصلحتهم الشخصية.
رابعًا- أن اقتراح منح النيابة الإدارية اختصاص الإدعاء فى المنازعات أمام مجالس التأديب هو اقتراح مرفوض جملة وتفصيلاً، وقد رفضه بشكل رسمى وبالإجماع المجلس الخاص بمجلس الدولة بجلستة المعقودة فى 1/10/2013، وتم إبلاغ رئيس لجنة الخمسين لتعديل الدستور بالكتاب رقم 299 فى ذات التاريخ لأن تولى النيابة الإدارية الادعاء أمام المحاكم التأديبية بمجلس الدولة يكون فى المخالفات الإدارية التى تقوم هى بالتحقيق فيها، بينما المنازعات المعروضة على مجالس التأديب فإنها لا تتولى التحقيق فيها، وإنما يتولاه الجهات الإدارية ذات الشأن فلا يتسنى للنيابة الإدارية- والحالة هذه- الادعاء فى مخالفات لم تحققها البتة.
خامسًا- أن إنشاء جهة قضاء تأديبى جديدة وإسنادها للنيابة الإدارية، فضلاً عما ينطوى عليه من انحراف بسلطة التشريع الدستورى المنوطة بلجنة الخمسين ولجانه النوعية، فهو من قبيل الترف التشريعى، فلا معنى لإنشاء جهة قضائية لتتدرب على عمل مارسته جهة قضائية أخرى قائمة وموجودة بالفعل هى مجلس الدولة منذ سبعة وستين عامًا، ومن خلال مبادئ حوتها آلاف الكتب الصادرة فى موسوعات قانونية عن مجلس الدولة وأساتذة الفقه والقانون العام والدستورى.
سادسًا- أن هذا الاختصاص الموهوب للنيابة الإدارية هو اختصاص من قبيل المزاح السخيف الذى لا يتصوره عقل ولا يحكمه منطق من القانون، ولا يليق بلجنة عليا للثورة تعد دستورًا يحكم القوانين أن تظهر حتى ملامحه فى ظل وجودها، بل إنه لا يدعو فحسب للغضب وإنما للرثاء بل ربما الضحك، فكيف لهيئة قضائية توهب لقب جهة قضائية تتولى التحقيق فى المخالفات والمالية والإدارية وتتولى الإحالة إلى المحاكمة التأديبية، ثم تتولى هى بذاتها الفصل والحكم فى المنازعة التأديبية التى حققتها وإحالتها؟ إنه عبث ولهو فى مقام الجد.
أسباب رفض نزع اختصاصات مجلس الدولة بإعداد العقود الإدارية واختصاصه بتسوية المنازعات الإدارية المنظورة أمامه ومنحها إلى هيئة قضايا الدولة:
أولاً- لقد كفل قانون مجلس الدولة على مدى سنين طوال الاختصاص بإعداد العقود ومراجعتها لمجلس الدولة وحده دون غيره، فحظر على جميع الجهات الإدارية أن تبرم أو تقبل أو تجيز عقدًا تزيد قيمته على خمسة آلاف جنيه بغير استفتاء إدارة الفتوى المختصة بمجلس الدولة، وهو ما يوجب عرض مشروعات عقود الدولة والإدارة بصفة عامة على جهة الفتوى المختصة، ولا شك أن المقصود بمشروعات العقود هو العقد معدًا بصياغة أولية من الجهة الإدارية أو مجموعة الأفكار والأسس والمبادئ التى يقوم عليها العقد والذى يتولى قسم التشريع بمجلس الدولة بإعداد صياغته، ليكون فى شكل وموضوع التشريع، وبالتالى لا يجوز لهيئة قضايا الدولة المطالبة بهذا الاختصاص لما فيه من تجزئة ممجوجة لفكرة العقد إعدادًا ومراجعة، وقد جرى مجلس الدولة منذ إنشائه على الاختصاص وحده دون غيره بولاية (الإفتاء) بجانب ولاية (القضاء) ومن ذلك العقود حيث يعتبر إعداد العقود التى تبرمها الجهات الإدارية عملية مركبة لا يمكن فصل مراحلها وتندرج فى صميم عمليتى الإفتاء والتشريع بما لا يجوز تجزئة الاختصاص، كما أن كليهما الإعداد والمراجعة قد تولد عنهما تراثًا تاريخيًا عظيمًا من المبادئ القانونية التى صاغتها الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع وإدارات الفتوى المختصة ولجان الفتوى الثلاث وقسم التشريع، وهى جميعًا أدوات معد العقد ومراجعة، فما جدوى اقتطاع اختصاص (إعداد) العقود اقتطاعًا مبتسرًا ومخلاً ومنحه لتلك الهيئة لمجرد المزيد من الاختصاص؟؟ ومن ثم فإن تبعيض وتقسيم الاختصاص المتعلق بإعداد العقود ومراجعتها هو أمر ضار بصياغة العقد، كما أن الاختصاص لم يخلق ليمارس كمطلب فئوى، ولا يغير من ذلك القول بأن الهيئة تترافع عن الدولة عن عقود لم تشارك فيها !! فمن قال بوجوب أو ضرورة المشاركة لجهة الدفاع فى أمر إعداد العقد فما يثار من نزاعات حول العقود ليس أمر صياغة العقد وإنما تطبيقه وتنفيذه وما يسفر عنه من مخالفات لطرفى العقد.

ثانيًا- إن اختصاص مجلس الدولة الأصيل فى تسوية المنازعات الإدارية المنظورة أمامه مقرر له وحده دون غيره، قبل صدور دستور العجلة والتسرع عام 2012 الذى أسقطه الشعب المصرى فى الثلاثين من يونيه 2013، حيث تنص المادة (28) من قانون مجلس الدولة عيه وتقرره وتمنحه لمفوض الدولة بعرض تسوية النزاع على الخصوم على أساس المبادئ المستقرة لدى المحكمة الإدارية العليا، فإن تمت أثبت المفوض ذلك فى محضر خاص يوقعه الخصوم وتكون له قوة السند التنفيذى، وليس لهيئة قضايا الدولة أو لغيرها أن تنزع عن المجلس هذا الاختصاص الأصيل بدعوى أنه سيكون معها فصلاً منها فى النزاع بصفة إلزامية !!، فالتسوية لا تكون دوماً إلا رضائية، وهى تتم وفقاً للمادة 28 من قانون مجلس الدولة اختيارية وهى ليست صلحاً بطبيعة الحال وفقاً لحكم المادة (549) مدنى الذى ينطوى على عقد ملزم يحسم به الطرفان نزاعًا قائمًا، أو يتوقيان به نزاعًا محتملاً بأن ينزل كل منهما على وجه التقابل عن جزء من إدعائه، والتسوية التى قررها قانون مجلس الدولة ليست تنازلاً من أحد الخصوم عن أى جزء من حقه بل هى وسيلة لتصفية القضايا ووفقاً لمبادئ قضائية مستقرة وبالموافقة عليها تصبح ملزمة للطرفين، بينما ما تطلبه هيئة قضايا الدولة من اختصاص وما توهبه لها لجنة نظام الحكم بإجراء ما أسمته (تسوية ملزمة) هو أمر يتنافى مع حق التقاضى فليس للهيئة أو لأى جهة أن تمنع من عزف من الأطراف عن قبول التسوية من اللجوء إلى القضاء، فتسويتها ليست قضاء من أى نوع ولا يقوى الدستور على خلق مبادئ لتسوية تناقض مبدأ دستورى آخر مقرر هو حق التقاضى والطعن على نتيجة التسوية، فضلاً عن أنها تسوية تأتى من محام الحكومة والمدافع عنها فكيف لها أن تتسم بالحياد، ولا يجوز تغليب إرادة النائب على إرادة الأصيل، وقد يكون من المصلحة العامة وأهم من غصب أو سلب اختصاص أن يكون للهيئة دورها الفعال مع جهات الإدارة فى نصحها بتطبيق المبادئ المستقرة للقضاء على الحالات المتماثلة بدلاً من الطلب من صاحب الحق بأن يلجأ للقضاء للحصول على حكم لصالحه بصفة شخصية، وأن تكف الهيئة عن نصح الإدارة أو مسايرتها بالطعن على مثل تلك الأحكام المستقرة، وأن تمتنع تماماً عن الالتجاء إلى الإشكالات الكيدية برفعها أمام محاكم غير مختصة وهى الأدرى بشأن الاختصاص، فمثل هذه الأساليب وغيرها هى مما يعطل الفصل فى القضايا ولا يستوى المطالبة بدور فى تسوية نزاع هكذا يُفعل فيه وهكذا يتم تعطيله.

ثالثاً- أما منح تلك الهيئة اختصاصات تزيد على ذلك سواء تخص الادعاء المدنى أو الرقابة الفنية على الشئون القانونية لوزارات الدولة وأجهزة الحكم المحلى، فلن تخوض فيه الجمعية العمومية من قريب أو بعيد فهو شأن يستوجب موافقة القضاء العادى الذى سبق أن رفض الفكرة تماماً، وموافقة الشئون القانونية بتلك الجهات التى سبق أن رفضت التبعية مطالبة بالمزيد من الاستقلال خلال جلسات الحوار المجتمعى للجنة الخمسين.

إذا كان تجريد مجلس الدولة من بعض اختصاصاته، ومنحها دون وجه حق لغيره من هيئات قضائية قد تم بليل مما أزعج القاصى والدانى وأقام الدنيا ولم يقعدها، فعادت لجنة نظام الحكم إلى مناقشة هذه المقترحات من جديد فى ضوء ما تكشف لها من ضلال وتضليل، وانعقدت هيئة المكتب بلجنة الخمسين لتدارس النتائج المترتبة على هذا الفعل، ودعا رئيس الجمهورية رؤساء الجهات والهيئات القضائية لاجتماع عاجل لما ارتآه وما رآه غالبية لجنة الخمسين من مقترحات فجة ضد المصلحة العامة، وانعقدت له الجمعية العمومية لنادى قضاة مجلس الدولة، وسيعقبها انعقاد الجمعية العمومية للمستشارين بالمجلس، وستظل الجمعيتان فى حالة انعقاد دائم حتى تنكشف مؤامرة تفكيك وإضعاف مجلس الدولة، وحتى تزول الغمة، فإن الجمعية العمومية لنادى قُضاة مجلس الدولة تقرر ما يلى:
أولاً- رفض إنشاء أية جهات قضائية، جهلاً بمنطق النظام القضائى المزدوج الغائب عن المتآمرين وكذا عن لجنة نظام الحكم، فتطبيق النظام القضائى المزدوج لا يعنى تعداد الجهات القضائية بغير حدود ولغير مقتض، بل العمل بنظام المحاكم ذات الولاية العامة ومحاكم القانون العام وهى المحاكم التى يمثلها مجلس الدولة دون غيره.
ثانياً- رفض وإدانة مؤمرات تفكيك مجلس الدولة ونزع اختصاصاته، ورفض اقتطاع قضاء التأديب من اختصاصات مجلس الدولة ومنحه لغيره إرضاءً لفئة بعينها أو لمصالح خاصة بذاتها، أو تخليصاً لحسابات عن مواقف لمجلس الدولة وقرارات له فى ظل النظام المخلوع أباها البعض، فجاءته الفرصة لينشأ جهة قضائية فى غفلة من الزمن على حساب اختصاص مجلس الدولة، وسنحبط هذه الأعمال الرخيصة حتى ولو كانت حياتنا ثمنًا لها فمجلس الدولة ليس ملكاً لأشخاص وإنما هو ملك للشعب المصرى العظيم الذى لن يفرط فى الاختصاصات المحققة لآماله فى الحق والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
ثالثاً- نستنكر الالتفاف حول توصيات لجنة العشرة من الخبراء والنصوص التى وردت بمقترحاتهم لاختصاصات مجلس الدولة وهيئتى قضايا الدولة والنيابة الإدارية، والتمسك بهذه النصوص.
رابعاً- اعتبار الجمعية العمومية لنادى قُضاة مجلس الدولة فى حالة انعقاد دائم، ومنضمة للجمعية العمومية لمستشارى مجلس الدولة المقرر عقدها الاثنين الموافق 21/10/2013، حتى تزول الفتنة الملعونة وينقضى التآمر الكئيب المغرض، وتعود اختصاصات مجلس الدولة إليه دون تجريد أو تفكيك.
خامساً- التزام جميع محاكم مجلس الدولة لدى انعقاد أول جلسة لكل منها وخاصة المحاكم التأديبية بالوقوف دقيقة حداداً على خطط التآمر التى تُحاك بطرقات اجتماعات لجنة الخمسين ولجانها النوعية، وعلى ما تمتد به بعض الخناجر بليل كئيب اعتداءً على اختصاصات مجلس الدولة، على أن يعقب تلك الدقيقة إيقاف للجلسات لمدة خمس عشرة دقيقة، احتجاجاً على تلك المذبحة الموجهة للشرعية الدستورية والتى لا تليق بلجنة الثورة المكلفة بإعداد الدستور.
عاش مجلس الدولة شامخاً بقضائه وقُضاته، وحمى الله مصرنا وثورتنا العظيمة وخارطة الطريق من كل مكروه وسوء، ومن شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.