بلال فضل يكتب |رسالة إلى إخوانجى!

بلال-فضل

…إذن فأنت حتى الآن لم تفهم لماذا أحرص على مهاجمة جماعتك فى نفس المقالات التى أهاجم فيها من أهدروا دمك ويهدرون حقوق كل من يختلف معهم باسم الوطنية التى يدعون امتلاك توكيلها، تماما كما كنت تهدر حقوق معارضيك باسم الدين الذى اتخذته وسيلة للطعن فى كل من يعارضك.

أهاجمك مثلما أهاجمهم، لأنك بالنسبة لى لست أفضل منهم أبدا، ولأننى أريد أن أؤكد أن دفاعى عن حقوقك لا يعنى أن أسمح لك بعبور الخط الذى يجب أن يظل فاصلا بيننا إلى الأبد، أقولها بكل ثقة: إلى الأبد، فلم يعد لدى أدنى أمل فى أنك ستتغير أو ستتطور طالما ظللت مصمما على البقاء تحت راية تلك الجماعة الكذابة الخائنة، فرصتك الأخيرة فى التغيير ضاعت يوم أن باركت أو صمتّ على نقض قادة جماعتك لعهودهم وخيانتهم للثورة من أجل مناصب ظنوا أنها ستدوم، واستمرارك منذ تلك اللحظة فى صفوف تلك الجماعة يمثل مشاركة لقادتها فى جرائمهم التى لم يمتلكوا أبدا شجاعة الاعتراف بها.

لن ألومك إذا لم تفهم كيف أدافع عن حقوقك وإنسانيتك، مع حرصى الدائم على إعلان عدم نسيانى لخطاياك وعدم ثقتى فيك، لأنك مثل قاتليك ومؤيديهم لا تدرك أن الديمقراطية لم تخلق لكى يساق الشعب للطاعة فى ظل الشعارات الفاشية التى تتغنى بالحب والحنية، بل هى فن إدارة الكراهية، لا تدرك مثلهم أن السياسة وجدت لكى تدير صراعات أبناء الشعب الواحد، وأن التحضر لا يعنى حب المواطنين لبعضهم بل قدرتهم على التعايش مع بعضهم برغم كل ما بداخلهم من كراهية وتنافر.

بمناسبة الديمقراطية، صدقنى تثير القرف رؤيتك وأنت تدعى الدفاع عن الديمقراطية، وكأننا يمكن أن ننسى سعيك إلى لحظة التمكين التى تخرس فيها أصوات المختلفين معك، بل إنك لم تنتظر حتى تحين تلك اللحظة، بل أخذت تقوم بتكفيرهم وتخوينهم بأسلحتك الفتاكة المتاحة فى منابر المساجد والفضائيات والمواقع الإلكترونية، وعندما جاءتك فرصة امتلاك النفوذ بدأت فى قتل من يخرجون ضدك إلى الشارع معتبرا على لسان رئيسك أن «مسبحة الضابط بندقيته»، وحتى عندما سلط الله عليك بندقية الظالم الذى استعنت به، أخذت تلومه وحده، لتثبت أن الله سلط عليك أيضا غباءك فلم تفهم حتى الآن أن مشكلتك تكمن فيك قبل كل أعدائك.

نعم، أنا أدافع عن حرياتك وحقوقك، ليس لأنى أحبك، فيشهد الله أننى أبغضك فى الثورة والوطن، تماما كما أبغض الذين يقتلونك بدم بارد، أبغضكم جميعا لأنكم تشبهون بعضكم تماما، الشعارات بالنسبة لكم ليست سوى ركوبة إلى السلطة ومصالحها، والناس بالنسبة لكم ليسوا سوى أرقام مهللة ومفوضة ومبايعة، لكننى برغم ذلك أعلم أنه لا سبيل للخلاص منكم إلى الأبد فأنتم جزء من واقعنا المرير المريض، وغاية ما أحلم به أن يتم تحجيم دوركم ونفوذكم عندما يدرك أغلبية المصريين أن مستقبلهم لن يصبح أفضل إلا فى ظل دولة مدنية ديمقراطية تؤمن بالعقل والعلم وتبنى كل سياساتها على العدالة الإجتماعية والكرامة الإنسانية.

لذلك كله أنا حريص على أن تظل موجودا فوق الأرض، لأن العمل تحت الأرض سيمنحك حصانة من الحساب، وسيعيدك للعب دور الضحية الذى تتصور أنه سيساعدك على التأثير كما فعل فى الماضى قبل أن تكتشف الملايين حقيقتك، صحيح أن عقلية اللواءات التى تعجلت قطف الثمرة ولم تتعلم من دروس يناير هيأت لك فرصة لعب تمثيلية المظلومية من جديد، لكن صدقنى لن تنطلى التمثيلية على أغلبية الشعب هذه المرة، لا هى ولا تمثيلية السيسى المنتظر والزعيم المخلص التى يتصور ديناصورات الدولة القمعية أنها ستعيد قدرتهم على «شكم الشعب وعفق البلد»، ستكشف الأيام أن الواقع تجاوزكم جميعا، أنتم وكل من لا يمتلك مشروعا لحل مشاكل مصر سوى البطش والتسلط على الناس باستخدام شعارات الدين أو الوطنية، ستعلم التجارب المريرة الناس أن مصر يمكنها أن تسير نحو المستقبل فى طريق ثالث لا يعرف القمع ولا التكفير ولا الجهل والتخوين، طريق لا يقودها فيه زعماء مخلصون ولا هتيفة ولا تجار دين، لا يقودها فيه إلا العقل.

لم أكن أبدا ولن أكون من الذين يصفقون لقتلك وقمعك، مع أنك كنت ستصفق لقتلى وقمعى، لأننى أريد أن أكون أفضل منك ومن جلاديك، ليس لأننى رومانسى أبله، بل لأننى أؤمن أن التمسك بالمبادئ والبعد عن ازدواج المعايير خيار واقعى يمثل طوق النجاة الوحيد الذى يمكن أن ينقذنا جميعا، وما أودى بك إلى مصيرك المزرى هو أنه لم يكن لديك مبادئ بل كان لديك دائما مصالح تدوس على الجميع من أجلها، وسيشاركك نفس المصير المزرى حتما كل من يدوس على مبادئه من أجل تحقيق مصالحه، ليست هذه حكاية خرافية تروى قبل النوم، بل هى حكاية صعودك وهبوطك أنت ومن سبقوك، وهى حكاية واقعية مريرة لا زلنا نعيشها ومع ذلك لم يتعظ بها للأسف من حالت كراهيتك بينهم وبين ضمائرهم وعقولهم.

كثيرون من كارهيك يريدون منك أن تموت فى صمت، وهو مطلب غير عادل قطعا، لكنه تماما يشبه ما كنت تطلبه من الثوار عندما كانوا يتعرضون للقتل والتنكيل ممن كانوا حلفاءك بالأمس وصاروا قاتليك اليوم، وليس عندى أدنى أمل فى أن هذه المفارقة ستؤثر فيك وستغير تفكيرك، فمن خاصم عقله وهو فى أحضان السلطة لن يتذكره وهو مدهوس تحت بياداتها.

لذلك ارتكب ما شئت من حماقات وواصل إشعال الأجواء وتأزيم الأوضاع وحصد كراهية الناس، فمهما فعلت ستظل جزءا من الماضى، فقد سقطت يوم أن أهدرت دم معارضيك واستهنت بحقوقهم، وسقط قاتلوك يوم استباحوا دمك وأهدروا حقوقك، ولذلك لن يكون رهان أى عاقل عليك ولا عليهم، بل سيكون رهانه على الأجيال التى لن تتسامح مع من يصادر حرياتها وينتهك كرامتها، ستصنع هذه الأجيال مستقبلها الذى لا علاقة له بالماضى الذى كنت تريد إعادته ولا بالماضى الذى يحاول جلادوك إعادته، بالطبع ستحاول أنت وجلادوك حرمان هذه الأجيال من مستقبلها وشدها نحو الماضى، وستكون هناك معركة أشد قسوة ومرارة من سابقاتها، لكنها ستكون معركة تستحق أن تخاض، ستكون الهزيمة فيها شرفا يشعل الحماس للمزيد من الصمود، أما نصرها حتى وإن كان مؤقتا وقصيرا ككل انتصارات الحياة الدنيا، فلن يكون كمثل بهجته شىء.

وإن غدا لصانعه قريبُ.

المصدر جريدة الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.