بلال فضل يكتب| فى محكمة السيدة نفيسة

بلال-فضل

«وأحيط علم سيادتكم بأنه سبق وأرسلت لكم قبل ذلك ولم يرد علىّ أحد، فبرجاء سرعة الرد والبت فى موضوعى»، ليست هذه الجملة كما قد تتوقع جزءا من رسالة لمواطن مصرى إلى مسئول يشكو فيه من تأخر الفصل فى شكواه أو رد مظلمته، لكنها ويا للأسى جزء من رسالة إلى السيدة نفيسة وضعها مواطن يائس فى يوم من أيام عام 2008 فى صندوق النذور الموجود فى ضريحها الذى لجأ إليه شاكيا بعد أن يئس من وجود من ينصفه من ظلم دولة مبارك وفساد أجهزتها، وها هو مبارك قد رحل وبقيت دولته وأجهزتها على ظلمها وفسادها، فماذا يقوله الآن يا ترى سكان مصر الأصليون وهم يشكون مظالمهم إلى ستنا نفيسة العلم وغيرها من أولياء الله الصالحين؟

.سيطرح هذا السؤال نفسه عليك وأنت تقرأ كتاب ضحى عاصى (محاكمة مبارك بشهادة السيدة نفيسة) والذى قدمت فيه قراءة لعدد من رسائل المصريين التى أرسلوها إلى السيدة نفيسة، مستلهمة ما سبق أن قام به عالم الاجتماع المصرى العظيم الدكتور سيد عويس عندما درس رسائل المصريين إلى الإمام الشافعى قبل عدة عقود تغيرت فيها حياة المصريين كثيرا، ففى حين وجد د.سيد عويس رسائل تشكو من سرقة دكر بط أو بيضتين من على السطح، وجدت ضحى رسالة يشكو فيها مواطن مصرى للسيدة نفيسة من سرقة كلية ابنه فى أحد المستشفيات قائلا بكلمات تضج بالقهر

«انجدنى يارب يا مشفع فينا نبينا محمد أنا عبدك اتذلّيت واتهنت عشان باطالب بعدلك من اللى سرقوا ابنى، فتحوا بطنه وخدوا كليته وابنى كان دخل المستشفى على رجله، عيل وقع على ضهره وسط العيال.

يارب ابنى نزل النص وبيروح منى أدامى أنا وامه ويوم ما اشتكيت لعبادك قهرونى. بحق جاهك وبحق السيدة نفيسة خد لى حقى وحق ابنى اللى مستنى إنى آخد له حقه».

تقول ضحى عاصى فى تحليلها للرسائل التى اطلعت عليها فى إحدى مرات فتح صندوق النذور خلال عام 2008 أن طلبات الشفاء التى رصدها سيد عويس عند الإمام الشافعى كانت تخص أمراضا مستعصية يئس أصحابها من علاجها، أما الطلبات التى وجدتها فى صندوق السيدة نفيسة فقد كانت تدعو بقبول الدولة لعلاج أصحاب الطلبات على نفقتها بعد أن يئسوا من رد وزارة الصحة على طلباتهم، وفى حين كانت الطلبات التى لها علاقة بالعمل عند الإمام الشافعى لا تتعدى نسبتها 1,3% وكان أغلبها شكاوى من مضايقات فى العمل فإن طلبات العمل عند السيدة نفيسة كانت نسبتها تزيد على 41%، يبحث أصحابها عن فرصة عمل فى الحكومة والقطاع الخاص ويسألون فك الضيقة وفتح أبواب الرزق.تتوالى فى صفحات الكتاب رسائل قصيرة لكنها تقول الكثير عن وجع المصريين وعن عشمهم فى ربنا: فتاة تشكو بحرقة للسيدة نفيسة من تعرضها للتحرش من مديريها فى العمل

«أى شغل مابيرضوش يشغلونى إلا وصاحب الشغل يقعد يعاكس ويبصبص وأنا باضطر أجاريه عشان مافيش شغل فى الحكومة ماانتى عارفة إن أهلى فهمهم على قدهم وفاكرين إن الشهادة هتخلينى يا ما هنا يا ما هناك، أنا تعبانة نفسيا أوى وحاسة إنى مش طاهرة، نفسى أتطهر وأحس بكيانى وأحس بتعب السنين فى المذاكرة أنا تعبانة أوى وكارهة نفسى أوى ومش عارفة أقول إيه ساعدينى»، وشاب يطلب منها أن تحميه بالنكاح لكى لا يقع فى الزنا، وفتاة تشكو من العنوسة، وشيخ مريض يتوسل إليها أن تطلب من الله أن «يشيل عنه الألم»، وطلبة يدعون بالنجاح ويطلبون مجاميع بعينها لدخول كليات القمة، بينما يكتب مواطن موجوع القلب بخط مائل مميز رسالة نصها

«حسبى الله ونعم الوكيل فى هشام وطارق وأحمد، حسبى الله ونعم الوكيل فى الحكومة، حسبى الله ونعم الوكيل فى المعونة الأمريكية، حسبى الله ونعم الوكيل» وهى «حسبنة» نعلم أنها آتت أثرها فيما يخص حكومة نظيف ثم امتد أثرها الآن إلى المعونة الأمريكية التى توقف بعضها، ولا يعلم إلا الله مصير هشام وطارق وأحمد الذى لا ندرى مدى شناعة ما فعلوه بصاحب الرسالة ليضعهم فى كفة واحدة مع الحكومة المصرية والمعونة الأمريكية.

فى رسائل أخرى يضع محام بالنقض كارتة فى صندوق النذور دون أن يكتب عليه شيئا، ويرسل عقيد أمن مركزى من معسكر سيدى كرير جنديا ليضع فى الصندوق ورقة بها اسم العقيد الأول ورقم موبايله ورقم ملفه للتعيين فى البترول، بينما تدعو فتاة اسمها «صفاء» بأن تكون دكتورة وأن تكون أختها محاسبة وأخوها «يكون ضابط ويهديه ربنا ويعقله ويارب الأرض اللى فى دمريس تطلع فى كردون المبانى»، ويكتب مواطن اسم شخصين ويدعو «يارب خد لى حقى منهم اتصرف فيهم يارب وكل من ظلمنى فى حياتى»، ويودع خباز من مركز أبو قرقاص فى حضرة السيدة نفيسة خطابا للمحامى العام يشكو فيه من ضياع حقه فى أرضه التى ورثها عن أبيه بعد أن استولى عليها أبناء عمه بتواطؤ مع ضابط النقطة الذى وصلت خصومته معه إلى المحكمة، لكنه وخوفا من أن تجلب له الشكوى المزيد من وجع القلب يحرص على أن ينهيها بالثناء على «حكم السيد حسنى مبارك الذى سادت فيه الديمقراطية والعدل والمساواة بين الغنى والفقير ولا تضيع فيه الحقوق»

.يبقى السؤال الأهم الذى أعلم أنه يشغل بالك الآن: ما الذى يمكن أن يقوله لنا صندوق نذور السيدة نفيسة لو فتحناه الآن؟، وأى شكاوى سنجدها فيه عن طنطاوى ومرسى وعدلى منصور والسيسى والببلاوى ومحمد ابراهيم وكل من تحملوا مسئولية المصريين بعد مبارك ووزرائه، فزادوهم رهقا ولم يفعلوا سوى زيادة عدد الذين لم يجدوا من ينصفهم فوق الأرض فلجأوا من يأسهم وغلبهم إلى البحث عن الإنصاف عند من باتوا تحت الأرض ينتظرون مثلنا رحمة الله عز وجل ورضوانه؟.ربنا على الظالم والمفترى، لكن يبقى أن نكون نحن أيضا مع الله ضد الظالم والمفترى.

المصدر جريدة الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.