د. أيمن الجندى يكتب|الأم

د.-أيمن-الجندى1

وحدى كنتُ أعلم. وحدى كنتُ أفهم. كان الهلع يسود الجميع وأنا وحدى المطمئن. قالوا إن الشمس تبدى نشاطاً غير عادى. تكلموا عن طفرة غير مسبوقة بقلب الشمس فى تحويل الهيدروجين إلى هيليوم. تحدثوا عن العاصفة الشمسية التى اندلعت والتهمت كوكب عطارد فى غمضة عين. كان الكون ينذر بنهايته. والنظرية القائلة إن الشمس فى منتصف عمرها كنجم وأمامها خمسة مليارات عام أخرى حتى تتحول إلى عملاق أحمر- تبين خطؤها.

عندما جنّ الليل شرعت أتجول فى الطرقات الملتهبة. لم يكن أى منا يجرؤ على مغادرة بيته أثناء النهار. الأشجار اصفرّت فروعها والغصون ذبلت أوراقها. والكلاب تلهث بشكل مثير للشفقة. والناس يسكبون الماء على أجسادهم الملتهبة. الفوضى تسود العالم ومحطات توليد الكهرباء عجزت عن احتمال الحرارة المرتفعة وتعطلت عن العمل. واندفع الأغنياء نحو أطراف الأرض الباردة. لكن ذوبان الجليد صار يهددهم بما هو أسوأ. وارتفعت الصلوات فى المساجد ودقت أجراس الكنائس، وابتهل المبتهلون إلى الله أن ينقذ أرضهم. وبينما كنت أسير شاهدت هذا المشهد: قطة تنفخ الهواء فى وجوه قطيطاتها الصغار، فى محاولة يائسة كى تُخفف عنهم وطأة الحر وتُبرّد عنهم.

■ ■ ■

كان عندى يقين لم أُبح به قط. منذ عشرين عاماً والحقائق واضحة فى ذهنى. الآن أعرف الحق من الباطل. الآن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. الآن أعرف هل كنت مُلهما أم أهلوس!!.

سنوات عديدة وأنا أفكر فى كوكب الأرض. علامات استفهام كثيرة كانت تحتشد فى عقلى! لماذا هو الكوكب الوحيد الصالح للحياة وسط الكون المنظور على الأقل؟ لماذا يوجد الماء والهواء والغلاف الجوى وكل ما هو ضرورى لاستبقاء الحياة؟. يتحدثون عن منظومة المجموعة الشمسية. يزعمون أن الأرض تابع للشمس. يتحدثون عن سحابة عملاقة انهارت بتأثير الجاذبية، فكان مركزها هو الشمس! أما الأطراف التى بردت بالتدريج فتحولت إلى كواكب، من ضمنها الأرض. شىء كان يهتف فى روعى أن هذه ليست هى الحقيقة. كنتُ أتأمل المسافات بين الكواكب وعجز العلماء عن إيجاد نسق بينها، وكان عندى تفسير آخر.

إيمانى أن الأرض كائن حى. من يمنح الحياة هو بالضرورة حىّ. رهانى أنها منذ الأزل تطوف فى أرجاء الكون، مثل سفينة فضاء هائلة. وكلما احتضرت شمس أقلعت بأبنائها فى الفضاء الكونى الشاسع باحثة عن شمس مناسبة. ومنذ ملايين الأعوام، شاهدتْ الأرض ذلك الفراغ بين الزهرة والمريخ، هذه الكواكب القاحلة. رأتْ بأمومتها أن بعدها مناسب عن الشمس، يكفل لأبنائها الضوء والطاقة، دون أن يحترقوا بنارها.

■ ■ ■

كنتُ أنتظر تلك اللحظة الآتية حتماً فى يقينى. مثل طائرة عملاقة تستعد للإقلاع شرعت الأرض تهتز. وتعالت الصيحات المستنجدة. لكننى كنتُ فى سكينة تامة. وتذكرت القطة الأم وهى تُبرد الهواء لقطيطاتها. وفى لحظة سماوية، يندر أن يُشاهد مثلها، أحسست بالأرض تنتفض وكأنها تستجمع قواها الكامنة، ثم شرعت تدور فى قوة وعزم لتفلت من جاذبية الشمس. القطة ترعى قطيطاتها، وأمّنا الأرض تغادر المجموعة الشمسية، إلى الفضاء الممتلئ بأعاجيب الرب! الفراغ الكونى السحيق، والمجرات تلتمع كعناقيد من اللآلئ المتوهجة، والشهب والكواكب، ونحن ساكنون مطمئنون فى أحضان أمّنا الأرض فى طريقنا إلى شمس أخرى.

المصدر جريدة المصري اليوم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.