د. أيمن الجندى يكتب| الخصم

د.-أيمن-الجندى1

استيقظ من نوم الظهيرة وقد أوشكت الشمس على الغروب. تثاءب فى مزيج من الكسل والاستمتاع. راح يرشف الشاى المُعطّر بالنعناع ويستعد للخروج. لديه لقاء ودى مع بعض المعجبين به. استرخى تحت شلال المياه الدافئة وهو يفكر أن الحياة ابتسمت له أخيرا بعد طول تجهم. ولعلهم الآن يتحدثون عنه فى تهيب وإعجاب. الشباب المُتيم به يرونه مثلا أعلى فى التدين المعتدل الممزوج بعشق الطبيعة وحب الحياة. هم فى الحقيقة يحبونه باعتباره الدليل إلى دنيا المسرات. الحياة واحة خضراء والحب أجمل ما فيها، هكذا يؤكد لهم. وبرغم أن إدامة التحديق إلى السماء مستحيل فعلى القلب ألّا يكف عن طرق الباب.

نشف جسده العارى بعناية، بدأ يرتدى الثياب. كرامةً لهذه الليلة الوردية سيرتدى أجمل ملابسه وأحبها إلى قلبه. نثر العطر على وجهه. آه أيتها الحياة احتجبت عنى طويلا. وكنت أسير فى الطرقات الخاوية احترق فى الظلام. أتساءل متى تمنحينى وجهك؟ متى تدرجينى فى جملة المحظوظين الذين يحظون بالتوفيق؟ ها أنا ذا احترق بالتطلع وأنت لا تعبأين بى! كغانية قاسية صدتنى ثم منحت جسدها لكل عابر سبيل!.

استدعى المصعد. فى ثوان معدودة انفتح الباب كبوابة مغارة سحرية تمتلئ بالكنوز. عجيب ما يحدث له حقا! أهذا ما يدعونه «التوفيق»؟ أن يضمر الأمنية فتتحقق! أن يطلب الدنيا فتتبعه! أن يقول للشىء كن فيكون! زمان كان يستغرق دهورا فى استدعاء المصعد. فما الذى تغير فى حظه؟.

اللقاء كان حافلا بالمسرة. دخل غير وجل ولا هيّاب! أعتاد منذ وقت طويل هذه الندوات وأعتاد أسئلتها. واعتاد نظرات الحضور المتيمة وإعجابهم الجلى. وتعلّم كيف يتحكم فى إيقاع اللقاء كممثل بارع يستحوذ على انتباه الجميع. لم تبدأ شهرته إلا بعد تكرار ظهوره فى الفضائيات. وحين أصبح النجم الوحيد لبرنامج يومى تأكد حضوره واعتلى السحاب.

ولكن مهلاً! من هذا الرجل ذو العوينات السميكة الذى ينظر إليه فى تركيز واحتقار؟ سيماؤه تختلف عن سائر الحاضرين ليس فيها ولعا ولا انبهارا. أحس بشحنة استاتيكية فى الجو كتلك التى تسبق العاصفة. ثم انفجر الرجل قائلا: «وفّر نصائحك لنفسك يا وغد. وكفّ عن التظاهر بالسموّ. فما أنت إلا حقير. أنسيت وضاعتك مع أمل؟ وهناء التى وعدتها وهجرتها؟ أم نسيت إهمالك لعملك برغم ما تنادى به من إتقان العمل؟ والضابط حمدى الذى انكمشت أمامه مذعورا برغم ادعائك البطولة؟ أم تحب أن أقص عليك المكتوب فى الورقة كاملا؟.

ووقف المجهول ملوّحا بلفافة من ورق لم ير فى حياته أطول منها. نظر إليه فى فزع وارتياع. من هذا الخصم الذى يعرف ماضيه كله؟ وكيف تأنى له أن يعرف كل هذه الأشياء؟ وما الذى يتبقى له إذا كشف سريرته وفضحه بين الناس! هل ينكر؟ أم يسقط من ذروة المجد بعد أن اعتلى الغيمة الوردية؟

نظر حوله هيّابا فأدهشه أن الوجوه على حالها من الود والترحاب. وكأن هذا الخصم لم يُلق بقنبلةّ! ولعل أحدا لم يسمعه! ولعله غير موجود أصلا ولكنه ضميره. ولعله ليس بخصم من الأساس. لا يدرى هل قطعته الدنيا حين أعطته؟ أم أعطته حين قطعته؟! كل ما يعرفه الآن أنه بحاجة أن يختلى بنفسه، ويطيل التأمل والانفراد.

المصدر : جريدة المصري اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.