د. أيمن الجندى يكتب| العارف بالله

د.-أيمن-الجندى1

بالأمس نشرت قصة شخص مشهور من نجوم الفضائيات فى ندوة ثقافية بين أعداد من المعجبين به. وفجأة ظهر له رجل يعرف خباياه. وانتهت القصة دون أن ندرى هل حدث ذلك فعلا؟ وهل سمعه الحضور؟ أم أن ما سمعه كان لسان ضميره الذى يواجهه بالمستور من فعله القبيح؟!

أعترف أن للقصة أصلا أحب أن أرويه لكم. منذ عدة سنوات، كان أحد الصالحين، ولا نزكى على الله أحدا، فى المسجد النبوى بالمدينة المنورة. وهو رجل نحيف جدا، طاعن فى العمر، فى وجهه تترقرق السكينة ونور الإيمان. وكان عن مقربة منه داعية يعظ الناس بعد صلاة العصر. ضخم الجسد، فظ الملامح، مصرى الجنسية، ولكنه يرتدى الجلباب وغطاء الرأس. تناثر الحديث إلى سمع العارف بالله، الذى انقبضت أساريره وتعكر صفاؤه بمجرد سماعه. وبانت تقطيبة على جبينه الواسع النبيل. أغمض عينيه فى تعب، ثم همس فى أذن أحد أتباعه الجالس بجواره قائلا له: «اذهب إلى هذا الداعية، وقل له: أنت أولى باتباع النصائح التى تقولها، وليتك تسكتْ». اندهش تلميذ العارف، ولكنه كتم دهشته وأطاع. واقترب من الداعية ضخم الجسد، كث اللحية، وهمس فى أذنه بشىء. وبدت على وجه الداعية علامات الدهشة والاستفهام. عاد التلميذ يهمس فى أذنه ويشير إلى العارف بالله، الجالس فى معية المسجد النبوى فى هدوء أقرب إلى التحفز. ثم قال الداعية فى نبرة متعالية: «هل يريد العجوز أن يسألنى عن شىء؟». وتعكر وجه العارف وأشار إليه أن يقترب، فبدا الاستياء والتردد على وجهه، ثم حسم أمره واقترب.

قال له العارف فى لهجة حاسمة: «هذه النصائح وفرها لنفسك! واتق الله». وظهر الغضب على وجه الداعية وقال فى ذهول: «ماذا تقول؟». وإذا بغضبة هائلة تظهر على وجه العارف. قال وهو يهتز من الغضب: «أقول يا فاسق لا يليق أن تلقى المواعظ فى مسجد رسول الله وأنت زانٍ ولص ومضيّع لمن تعول».

ونزلت الكلمات كالصاعقة على رأس الداعية. وبدا عليه التحير والرهبة. وأسود وجهه المسود أصلا. ولمعت نظرة خائفة فى عينيه المندهشتين. وساد الهرج والمرج. وأقبل رجال حفظ الأمن يحاولون إخراج العارف العجوز. وإذا بالمفاجأة التى لم يصدقها أحد. إذ ارتمى الداعية على رجال الأمن قائلا: «اتركوه. أرجوكم لا تمسوه بسوء. هذا الرجل يرى بنور الله». ثم ارتمى على أقدام العارف منهارا وباكيا: «ادع الله أن يرحمنى». وزم العارف شفتيه فى ألم. ثم لزم الصمت الحزين.

ومرت الأيام. وعرفنا بعدها أن هذا الداعية قد طُرد من المدينة المنورة بعد فضائح مدوية! ويبدو أنها كانت الفرصة الأخيرة. ويبدو أنه أضاعها. ويبدو أنه كان الإنذار السماوى الأخير. أجراه الله عز وجل، علّام الغيوب وصاحب الملكوت، على لسان هذا العارف النبيل.

لا شك عندى وأنا أسترجع هذه القصة أن هذا العارف لم يكن سعيدا بما يحمله من وقر المعرفة. المعرفة عبء! المعرفة عذاب! أكاد أراه- رحمه الله- وهو يزم على شفتيه فى ألم وتصميم. حزن أوشك ألا يتحمله جسده النحيل.

فلنتهيب الرسائل السماوية التى تصلنا، ولنحاول ألّا نضيّعها، حتى لا نضيع. ولنضع نصب أعيننا قوله، عزّ من قائل: «وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.