د. ايمن الجندى يكتب| ميّل يا غزيّل

د.-أيمن-الجندى1

حينما استمع للأغنية عادت له ذكريات الليالى البيضاء. أغنية «نجاح سلام» رائعة الألحان والكلمات.

«ميّل يا غزيّل. يا غزيّل ميّل»

لم يكن يعرف هذه الأغنية! ما أكثر ما كان يجهله فتى الخامسة عشرة الذى كانه! أقرب إلى مدارج الطفولة. ومجلات هذا الزمان كانت تحتشد بعناوين راغبى المراسلة. كنا فى عام ١٩٧٧، لم يكن هناك إرسال تليفزيونى ملون، ولا كان هناك إنترنت ولا كمبيوتر ولا هواتف محمولة. كان هناك الكثير من الوقت والكثير من العواطف المخزونة. والشرفة الواسعة المزينة بالنجوم، والتى تتعاقب عليها الفصول الأربعة، تصلح للحب كما تصلح للعب الكرة.

«لينا» من لبنان. هكذا التقط الاسم المكتوب فى أسفل المجلة المصورة. فى الخامسة عشرة من عمرها، ومن هواة المراسلة. هكذا لم يتردد. أحضر ورقة بيضاء وكتب رسالته الأولى بخط صبيانى غض، ثم كتب اسمها وعنوانها على المظروف بعناية. ولم ينس كتابة تلك الجملة الرائقة: «شكراً لساعى البريد».

■ ■ ■

«ميّل يا غزيّل. يا غزيّل ميّل. ميّل لك ميّوله. أيّلك أيّوله. نسقيك فنجان قهوة؟ نعملك تبوله؟ آه يا غزيّل يا غزيّل.

وجاءه الرد ذات مساء. لم يصدق نفسه وهو يتأمل الطابع على المظروف يحمل شجرة الأرْز الخالدة. فضّ الخطاب بسرعة وأنامله ترتجف. هرع إلى الشرفة المظلمة وعلى ضوء المصابيح الواهنة قرأ الخطاب بلهفة. وتآمرت عليه حبوب اللقاح ورائحة الخصوبة فى الحقول المحروثة البعيدة بأواخر إبريل. طوى الخطاب بعدما قرأه عشرات المرات، ثم دسه فى حقيبة مدرسته ليعاود قراءته كلما اشتاق إليه.

الشهور تمر، والرسائل تتوالى. لينا تتحول من مجرد خط بناتى أنيق إلى طيف ملائكى ناعم. والمراسلة تحولت إلى صداقة، والصداقة توطدت فصارت ألفة، والألفة تطرق أبواب الحب. ولينا تلح عليه أن يزورها فى لبنان. وحين أرسلت إليه صورتها وهى تعقص شعرها إلى الخلف وتبتسم، أحس وقتها وكأنه شرب عشرة أقداح من خمر.

■ ■ ■

من زمان وزمان. ها القمر ما بان. ميّل تانشوفك، ونمْ شى دقيقة زمان. اشتقنا لحكاياتك. ميّل. اشتقنا لسهراتك. ميّل. ميّل بحياتك. ميّل تانقيّل.

■ ■ ■

كان عليه أن يلح على أبيه. وكان عليه أن يتوسل إلى أمه. وكان عليه أن يركب السفينة المغادرة من إسكندرية إلى بيروت. ويشهد الشمس الغاربة وهى تغطس فى الماء ببطء كزمردة حمراء. وكان عليه أن يسافر إلى صيدا بمجرد وصوله للميناء. وكان عليه أن يتحمل طبول قلبه الخفاق، وهو يصافح لأول مرة هذه الحورية الشقراء.

ومرت الليالى البيضاء كسعادة يصعب تحملها. وحيثما ذهب كان موضع الاحتفاء. وذات صباح خريفى باسم أعدت له لينا لقاء تعارف مع أصدقائها. ولم يكن يعرف أنها حسنة الصوت إلى هذا الحد، وعلى إيقاع من الأيدى المصفقة سمع لأول مرة أغنية «ميّل يا غزيّل». غنتها بصوتها الحنون المُحلّى بفاكهة الحب، ولم يكن هناك شك أنها تغنيها له.

«آه يا غزيّل يا غزيّل».

ولأول مرة يعرف كيف يكون المرء محباً ومحبوباً فى آن واحد. ولأول مرة يعرف أن الحياة جميلة، ولأول مرة يعرف كيف يلوّن الحب أيامه ولياليه.

والآن بعد هذه الأعوام التى مضت، كلما استمع إلى هذه الأغنية بالمصادفة تذكر لياليه البيضاء ترى: أين أنت يا لينا الآن؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.