عمار على حسن يكتب | «بوركينى.. اعترافات محجبة» (2-2)

عمار على حسن يكتب | «بوركينى.. اعترافات محجبة» (2-2)

عمار-على-حسن

وليس معنى هذا أن بطلة رواية «بوركينى.. اعترافات محجبة» للكاتبة اللبنانية مايا الحاج، مصابة بمرض «فصام الشخصية»، وإن كانت تبدو للناس هكذا، فالمريض يتصرف من دون وعى، أما هى فمدركة ما تفعله جيداً، بدليل أنها تطلق التساؤلات حوله، وهو ما يبينه قولها: «أنا كائن يعشق المفاجآت ويهوى المخاطرة. وأعلم جيداً أن الطبيعة التى تسير بنظام دقيق هى نفسها لا تحب إلا من يخرق نظامها ولا تمجد إلا من يخرج عن مألوفها مبتكراً كل ما هو جديد ومدهش. رسامة مجنونة ومحجبة؟ ما هذا التناقض الغريب؟ هذه الاستفهامات لا أعرف سببها حتى الآن»، وتقول أيضاً واصفة نفسها: «أنا أعيش فعلاً بين عالمين.. بين ملابسى المحتشمة وأفكارى المتحررة.. بين حجاب رأس يغطينى وأجساد عارية تستهوينى.. بين البرقع والبكينى».

وبطلة الرواية لا تقتصر فى فهمها لهاتين الحالتين المختلفتين على الجوانب المادية المتعلقة بالغرائز، بل تدرك ما وراءهما من قيم ورموز، حيث تقول: «حجابى كان بمثابة كفاح خفىّ أمارسه كى أحقق من خلاله بطولة صامتة. تجربة تمنحنى الصلابة من غير أن تنزع منى الوداعة»، ومن هنا تبدو فى حاجة إلى الهيئة التى يظهر عليها جسدها وهو مخبأ خلف قماش وافر ليتلفت الناس إلى عقلها المتوقد ومشاعرها الفياضة، بقدر ما تتوق إلى أن تعرف كيف يدركه ويراه الآخرون، لا سيما من يحبها، بعد أن تنزع عنه كل ما يوارى التفاصيل الجميلة.

وأظن أن «مايا الحاج» تتساوق مع وعى الفتاة المحجبة، الذى أظهرته كتاباتهن التى بُحن فيها بهذا إلى جانب ما جادت به دراسات عديدة فى «علم اجتماع الجسد» و«النقد النسوى»، وهى حالات لا تختلف فيها الفتاة العادية من حيث الولع بإظهار مفاتنها أمام المرآة، عن بطلة تلك الرواية التى هى فتاة مثقفة تعشق الرسم و«تدور حول لوحاتها كفراشة حول ذاتها» تنتمى إلى أسرة عارفة؛ فالأب رجل مهتم بالسينما، والأم سيدة واعية، والأخت الكبرى تقرض الشعر، والوسطى تعزف على البيانو، وهذه أسرة لا ترى فى السفور مشكلة، لكن جدة البطلة امرأة تميل إلى الاحتشام، ولهذا زاوجت الفتاة بين الحالتين، فأخذت عن الأب والأم التحرر العقلى، وعن الجدة حجاب الرأس.

وتعطى مايا الحاج أمثولة بارزة فى روايتها تلك للجدل الدائر فى العالم العربى منذ سنين طويلة، ولم يحسم بعد، عن أن «حجاب العقل» أشد وأنكى من «حجاب الجسد»، وما يعمق هذه الأمثولة أنها لم تعط بطلتها اسماً، ورسمت باقتدار الصراع النفسى الذى يدور فى خواطر الفتاة المحجبة، والحدود الفاصلة بين تغطية العقل بأطمار من الأفكار الرجعية والمتخلفة والميول الشهوانية والغرائزية وتغطية الجسد بلباس قد لا يصف ولا يجسد ولا يجذب، لكنه لا يعوق الانطلاق فى التفكير وتحرر الإرادة.

 

 

 

 

 

المصدر:الوطن

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.