عمرو حمزاوى يكتب | تجاوز المقايضة السلطوية

عمرو حمزاوى يكتب |  تجاوز المقايضة السلطوية

عمرو حمزاوي

سببان يجعلان من بناء تيار عام يدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات دون صياغة أجندة اقتصادية واجتماعية متماسكة ضربا من ضروب المستحيل. السبب الأول هو نجاح الحكم فى إعادة إنتاج مقايضة ما قبل يناير ٢٠١١ السلطوية، إما الخبز والأمن وإما الحقوق والحريات، على نحو يستدعى تفنيدها وإقناع الرأى العام بإمكانية توفير الخبز والأمن مع التحول الديمقراطى. السبب الثانى هو تردى أداء المشاركين فى الحياة السياسية بين ٢٠١١ و٢٠١٣ وانصرافهم عن حل أزمات البلاد الاقتصادية والاجتماعية إلى صراع على السلطة أفقدهم ثقة الناس وجدد أوهام الفترة الناصرية التى تربط عضويا بين البطل العسكرى وبين تحقيق التنمية والعدل الاجتماعى ويعاد اليوم ترويجها.

لا بديل، إذا، عن الشروع الفورى فى صياغة أجندة اقتصادية واجتماعية للأصوات وللمجموعات المدافعة عن الديمقراطية، ولدينا بعض المساحات المجتمعية التى يمكن أن ننشط بها.

من جهة أولى، هناك مراكز التفكير والبحث فى الجامعات والمعاهد المصرية التى تحفل بأساتذة فى العلوم الاقتصادية والمالية والإدارية لم يستتبعوا من قبل الحكم ويملكون الكثير من الأفكار والحلول الفعلية للأزمات المتراكمة. من جهة ثانية، هناك المشاركون فى القطاع الخاص وأصحاب رءوس الأموال الصغيرة والمتوسطة الذين ابتعدوا عن الالتحاق بالحكم (على عكس رءوس الأموال الكبيرة) ولديهم خبرات عملية فى مجالات الاستثمار والتشغيل ومعدلات الإنتاجية ينبغى الإفادة منها. من جهة ثالثة، هناك جمعيات ومنظمات المجتمع المدنى المهتمة بقضايا الشفافية ومكافحة الفساد ومصانع الأفكار التى تستطيع أن تشكل ساحة للنقاش الحر (كما فعلت مثلا فى نهايات القرن الماضى جمعية النداء الجديد التى أسسها الراحل الدكتور سعيد النجار).

من جهة رابعة، هناك بعض المجموعات الفاعلة داخل الأحزاب والتيارات السياسية ولديها القدرة على التخصص فى توفير حلول واقعية لقضايا بعينها كالطاقة والبطالة والدعم ونظم الأمان وغيرها. من جهة خامسة، هناك الإعلام البديل وشبكات التواصل الاجتماعى التى يمكن أن تنفتح على مناقشة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بصورة تبحث عن الحلول المبتكرة التى يملك منها الشباب الكثير ودون أن يعنى ذلك تراجعا لأجندة الحقوق والحريات وللسياسة على موتها أو تعطلها الراهنين.والأجندة الاقتصادية والاجتماعية لتيار ديمقراطى عام التى أدعو لها هنا لا ينبغى أن تغيب اختلافات وتمايزات اليمين واليسار أو أن تفرض رؤية أحادية لقضايا خلافية (كالحدود الدنيا والقصوى للأجور والنظم الضريبية والدعم واستراتيجيات التنمية وغيرها).

بل جوهرها هو التعددية فى الأفكار، والتنوع فى الطروحات، وإدارة نقاش موضوعى بشأنها حتما سينتح توافقا وطنيا حول بعض الحلول والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التى يمكن تطبيقها لتحقيق الخبز والأمن مع التحول الديمقراطى ومن ثم تجاوز المقايضة السلطوية.

 

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.