عمرو خفاجى يكتب | مقال مهم

عمرو خفاجى يكتب | مقال مهم

عمرو-خفاجى

إذا كان الاتجاه النقدى العام يؤكد أن العقل العربى عامة، والمصرى خاصة، يؤكد الغياب الفكرى الرصين فى مناقشة قضايا الإسلام السياسى، باستثناء مناقشة هنا أو كتاب هناك، فإننا بذات المقياس نستطيع أن نقول إن العقل العربى أيضا لم يقدم نقاشات جادة بشأن تطور الليبرالية المصرية ومدى إنجازها أو إخفاقها على مدى أكثر من قرن من الزمان، ولم يتبق لنا سوى هجوم متبادل بين المعسكرين، لا يتسم بأى جدية من أى نوع، ألهم إلا فى بعض الدراسات العلمية الجادة أو الأبحاث الممنهجة، لكن النقاش المطروح للرأى العام كان فى غالب الأحيان عراكا أكثر منه نقاشا وتبادلا للآراء، ناهيك عن الغياب التام لعمليات النقد الذاتى، وربما لم يمارسها سوى عدد قليل من أقطاب الفكر اليسارى، لذا يأتى مقال «علمانيو مصر أنتم أيضا تنظيم» للكاتبة بهية صلاح الدين، والمنشور فى عدد الشروق يوم أمس الأول الجمعة (١٤ مارس ٢٠١٤) ليفتح الباب للنقاش حول هذه القضية.

المقال باختصار، يحاول ممارسة نقد ذاتى للقوى العلمانية (إن جاز التعبير) لما قدمته طوال الأعوام الستين التى سبقت ثورة يناير ٢٠١١، ويقول صراحة، بأن العلمانيين هم من مارسوا السلطة طوال هذه السنوات، وأن اللحظة حانت للاعتذار عما فعل العلمانيون فى أثناء ممارستهم للحكم خاصة فى إنتاجهم للاستبداد وصمتهم على التنكيل بالخصوم السياسيين الذين هم بالطبع قوى الإسلام السياسى، الذين لم يتولوا المسئولية ولو لمرة واحدة بين الثورتين (يوليو ١٩٥٢ ويناير ٢٠١١) والمقال بشكل عام يتسم بعنف ظاهر، واستبداد مصطلحى بدرجة كبيرة، لكنه يلخص بإخلاص فكرة ضرورة المراجعة لما جنيناه من حكم العلمانيين، التى تقول كاتبة المقال إنها تنتمى إليهم، وتعتبره تنظيما واضحا تحت هذا الاسم (العلمانية) وأن الليبرالية مجرد جزء من هذا التنظيم.

المقال به الكثير مما يستوجب التوقف عنده، لكن هناك ضرورة تقتضى أن نقف عند غايته الكبرى، وهو حكم العلمانيين طوال هذه السنوات، وأنا ما أعتبره أمرا منافيا للحقيقة، فمن كان يحكم مصر من أنظمة استبدادية، لا علاقة لها لا بالعلمانية (إن وافقنا على المصطلح) ولا بتيارات الإسلام السياسى، بل كلاهما كانا من ضحايا هذا النظام، فسجون الناصرية كما استقبلت جماعة الإخوان لسنوات طويلة، استقبلت أيضا فصائل اليسار المختلفة، وإذا كان هناك من زهقت روحهم من جماعة الإخوان داخل السجون من التعذيب، ففى المقابل زهقت أرواح شيوعيين وليبراليين فى ذات السجون، وفى سبعينيات السادات، كان الإخوان (على سبيل المثال) أقرب للمشاركة فى الحكم، بينما كان العلمانيون يعانون من الاضطهاد، وما حدث فى العهدين، الناصرى والساداتى، تكرر بشكل آخر فى عهد مبارك، طبعا طوال العهود الثلاثة كان الضحايا من الإسلاميين أكثر عددا، لأن بعض جماعاتهم حملت السلاح ومارست عنفا وإرهابا واضحا ضد مؤسسات الدولة.

أى مراقب أو متابع لسنوات ما قبل ثورة يناير، يدرك ببساطة، أن العلمانيين، كانوا فى مقدمة صفوف المدافعين عن المعتقلين من جماعات الاسلام السياسى، وكل منظمات حقوق الإنسان التى عملت جاهدة لما يقرب من عشرين عاما فى رفض التعذيب ومنح السجناء حقوقهم، كان مؤسسوها ومديروها من العلمانيين، حتى عندما جاء البرادعى قامت القوى العلمانية بصف الاسلاميين إلى جوارهم فى الجمعية الوطنية للتغيير، أعتقد أن القصة واضحة: الاستبداد يكون ضد الجميع، ولا عقيدة له سوى الاستبداد، أما الخلافات الأيدولوجية، فيمكن قبولها ومناقشتها، وهذا ما أراه مهما فى مقال بهية صلاح الدين، رغم خلافى لما خلصت إليه

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.