لحظة الدكتور حسام التى تعيشها مصر

إنها اللحظة التى لا تريد أن تعيشها أبدًا.

لكن يبدو أنها قدَر مصر.. أن تعيش عمليات الإرهاب والاغتيال التى يشنّها الإخوان وحلفاؤهم.

يتكرر إذن مشهد التسعينيات، حيث كنا نصحو على مشاهد تفجير المقاهى والمواكب ومحاولات اغتيال المفكرين والسياسيين.

الآن يضيف إليها الإخوان عمليات التخريب فى قناة السويس والسكك الحديدية وغيرها من مصالح البلد.

محاولة اغتيال وزير الداخلية محمد إبراهيم لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة.

وعلى مصر وعلينا أن نواجه إرهاب هذه الجماعة الخائنة بجمهورها، ممسوح العقل مغسول الدماغ، فى الوقت نفسه الذى نتدرب فيه على التعايش معه.

لكن ماذا يجرى فى بيوت السياسيين المستهدَفين والمطلوبين للاغتيال؟

ماذا يجرى حين يكون سيف التهديد ماثلا مع مائدة الإفطار؟ وحين تكون العودة فى المساء إلى البيت هى حفلة النجاة من الموت اليومىّ؟

تعالَ نقرأ معًا خواطر الدكتور حسام بدراوى السياسى الكبير والقدير، وهو يستدعى تجربته الخاصة فى اللقاء مع الموت اغتيالا، حيث يروى تفاصيل يوم محاولة اغتيال والد زوجته وزير الداخلية الأسبق اللواء حسن أبو باشا، وكان من أكثر وزراء الداخلية احترامًا وحبًّا من القوى السياسية.

اقرأ معى وتأمَّل صدق الكاتب ونُبل المكتوب.

«كل إنسان تلقّى خبر محاولة اغتيال وزير الداخلية بشكلها العنيف بمشاعر مختلفة. البعض خاف على مصر من سلسلة اغتيالات إرهابية، والبعض رأى الخطر على نفسه وأحبائه ممثَّلًا فى المواطنين الأبرياء الذين أصيبوا حول الحادثة، والبعض سيرى فى الحادثة سببا لعنف مضاد ضد مَن خططوا لها بهدف إنهاء تهديد الإخوان أو ذيولهم بغض النظر عن إثبات الجريمة عليهم للمجتمع كله، والبعض، ممن ينتمون إلى مخطِّطى الجريمة، سيرون فشل تحقيق الهدف ووجوب تكراره، والبعض من مموِّلى أفكار التطرف الواقفين فى منطقة رمادية سيزايدون على المصالحة مع الجناة تجنبًا لمزيد من العنف، والبعض سيبكى القتلى والمصابين، والبعض سيتذكر مُصابَه وقتلاه، والبعض سيزداد وطنيةً، والبعض سيفكر فى مغادرة البلاد، والبعض لن يهتم، والبعض سيزايد والبعض سيكون ألمُه حقيقيًّا، والبعض سيدَّعيه..

كل ذلك دار فى ذهنى وأنا أتابع الخبر عندما داهمنى شعورٌ أحسست به مساء يوم ٥ مايو منذ ستة وعشرين عاما.

لم أكن أدرى أنه من الممكن أن يداهم الإنسان ويستولى عليه نفس الشعور بعد لحظة إحساسه. قد يتذكره، قد يتذكر أحداثا حوله، ولكن أن ينتابه نفس الحالة ونفس الجزع، فهو أمر عجيب.

منذ ستة وعشرين عاما، ونحن نحتفل بشهر رمضان فى منزلنا ويجلس ولدى بجوار جده، يتحادثان وتنطلق ضحكة الجد على كل كلمة وإشارة من حفيده وترتسم البسمة على الوجوه عندما يضع الحفيد سياراته الصغيرة وحيواناته الدقيقة وعساكره النينى -كما كان يسميها- على الأرض فى إطار فنى مبدع من طفل فى العاشرة من عمره ويشاركه جده الذى كان قد ترك العمل السياسى فى «الداخلية» منذ سنتين، وأضاء حبُّه ورقَّتُه التى لا يعلمهما سوى المقربين حياتَه مع أسرته وأحفاده..

منذ ستة وعشرين عاما، تركت المنزل لأتوجه إلى عملى بعد الإفطار، تركت المنزل وأنا أعلم أن ابنى سيتوجه لقضاء الليل مع جده، لاستكمال حوارهما وألعابهما..

وأنا فى العيادة، جاءنى تليفون من مجهول يقول لى إن وزير الداخلية المشهور الأسبق حسن أبو باشا قد تعرض لحادثة اغتيال أمام منزله بالدقى وإنه قد أصيب إصابة بالغة، ومعه طفل فى العاشرة من عمره، وإن الضحايا فى مستشفى الشرطة فى هذه اللحظة..

شعورى هذه اللحظة هو الذى عاد إلىَّ أمس..

مطرقة دقَّت رأسى.. لم تكن الاتصالات كما هى اليوم، ولم تكن هناك وسيلة لمعرفة ما حدث سوى الذهاب بنفسى إلى المستشفى..

دقائق هى التى مرّت علىَّ من لحظة إلقائى سماعة التليفون، وأنا أجرى للنزول من الدور العاشر فى مبنى عيادتى لتأخر وصول المصعد، إلى الهرولة للسيارة والقيادة من ميدان التحرير إلى مستشفى الشرطة بالعجوزة.

لأول مرة فى حياتى أعرف معنى سقوط القلب فى القدمين، وسَحَبَان الروح، وانقطاع النفَس وسماع دقات القلب تركض هى الأخرى فى الرأس..

توقف الزمن، وتوقفت الحياة، وأنا أحاول أن أطرد فكرة وجود ابنى مع جده فى هذه اللحظة، ومحاولة ذهنى تكذيب ما سمعت ولسانى يلهث بالدعاء لله أن لا يكون ذلك حقيقةً..

لم أبكِ فى هذه الدقائق العشر التى مرت مثل عشر سنوات، بل توقفت داخلى الحياة، تسمَّر كل شىء فى مكانه وأنا أضغط على دوَّاسة البنزين لأسرع بالسيارة للوصول..

قرأت كثيرًا عن نظرية النسبية، ولكنى باستعادة اللحظة فهمت كيف تتحول الثوانى إلى ساعات، والدقائق إلى سنين..

عشر دقائق وأنا أرتعش من الداخل، وتتسلل إلى عقلى صورةٌ لابنى وهو يتلقى رصاص الاغتيال الموجه إلى جده، وأحاول أن أبعده فلا أستطيع..

أهز رأسى وأدفع الفكرة بعيدا فلا أستطيع..

كل رهفة قلب له، وابتسامة على شفتيه ملأت وجدانى سويًّا مع صورة الحادثة..

الرحمة يا رب، مشاعر استعدتُها كأنها اليوم، وأنا أقرأ عن محاولة الاغتيال الجديدة لوزير الداخلية اليوم بعد ستة وعشرين عاما.

الحمد لله نجا حماى، رحمة الله عليه، ونجّى الله ابنى بنومه قبل مغادرة جده من منزلنا فلم يذهب معه وكانت الطلقات قد أصابت طفلا يلعب فى الشارع وقت الحادثة وتولينا العناية به إلى أن شُفى.

إن مشاعرى التى استعدتُها، ومعرفتى بعد ذلك بما كان حول الحادثة ومَن وراءها، تجعلنى شبه متيقن من أن هؤلاء الإرهابيين يكتبون الفصل الأخير فى علاقتهم بالشعب المصرى..

الرحمة على نفس كل من فقد حبيبًا، والسكينة لكل من أصابه هذا المصاب، فما شعرت به فى لحظات قصيرة مرَّت كالسنين قد رسم فى نفسى ووجدانى تعاطفا مع كل من يمر بهذه اللحظات.

إن هذه التجربة لم تشعل فى نفسى سوى حب أكبر وأعمق للإنسانية واحترامٍ للحياة، بعيدًا عن العنف والانتقام».

خلاص خلص الكلام.. وفعلا شكرًا يا دكتور حسام.

المصدر: جريده التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.