نوارة نجم تكتب|الصبر

نوارة نجم

كنت أتمنى أن ننتصح بنصيحة عز الدين شكرى فشير، التى أوردها فى روايته الرائعة «باب الخروج»، ونستغل الفترة الحالية والتى أطلق عليها «صراع الديناصورات» فى تنظيم الصف الثورى، حتى إذا حان الحين، وأزفت الآزفة، وملّ الشعب المصرى من الانتظار، وظن أنه آن أوانه للعودة لفرض سلطانه على الدولة، وجدنا حاضرين، موحّدين، لدينا خطة واضحة المعالم للمستقبل، ولحل مشكلاته التى أضنته وأثقلت كاهله. لكن حنتوحّد إزاى واحنا ماسكين فى شواشى بعض وبنشرشح لبعض فى الشوارع ونتبادل الاتهامات؟ هذا يتهم ذاك بأنه عبد بيادة وذاك يتهم هذا بأنه إخوان خلايا نائمة، وآخر يتهم رفقاء كفاحه بأنهم ممولون، وأنه أخذ مقلبًا فيهم.. هاه؟ هاه؟ هاه؟

كنا دومًا نقول إن حكام مصر ليسوا على مستواها، ويبدو أن القوى الثورية هى أيضًا ليست على مستوى هذا الوطن.

لا أصدق أن هناك بعضًا من القوى الثورية، من فرط هلعه من عودة الدولة الأمنية -التى لم تختفِ البتة- ما زال يتعامل مع جماعة الإخوان بوصفها فصيلًا وطنيًّا، وأن البعض الآخر من القوى الثورية، من فرط رعبه من عودة الإخوان -الذين لن يعودوا حتى يلج الجمل فى سم الخياط- يمارس ضغوطًا على السيسى كى يترشّح! وما زالت ثقافة «اللبلاب» تسيطر على الفكر الثورى: يجب أن نرتكز على أى قوة أخرى غيرنا، لأننا مش كفاية! مش كفاية ليه؟ ومش كفاية إزاى؟ ولماذا يجب على القوى الثورية أن تخدم طرفًا من الأطراف المتصارعة الآن؟ ولماذا لا نخدم مصر على سبيل التغيير؟ وإن كانت القوى الثورية ترى فى نفسها أنها ليست كافية، فلماذا لا تحاول خلق هذه الكفاية من خلال تجميع صفوفها، والتخلّى عن ذواتها المتضخمة، وأحلامها «الإنترنتية»، وشخصياتها الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعى، وتحاول أن تعمل على الأرض من خلال مشروع للعدالة الاجتماعية، أو من خلال التحلّق حول كيانات موجودة بالفعل ككيان وطن بلا تعذيب، أو كيان لا للمحاكمات العسكرية، أو كيان ائتلاف مصابى الثورة، أو التحرّك فى إطار توعية الشارع بحقوقه الدستورية والانتخابية، أو أى كيان فى أى داهية يخدم أى مطلب من مطالب الثورة، ويعمل على التغلغل فى الشارع، والعمل الجماهيرى، بدلًا من إصرار البعض على استباق الشارع، وتحدّى الشعور العام، ونزول بأعداد صغيرة، فى فاعليات عبثية، لتكبيد الصف الثورى المزيد من القتلى والمعتقلين والمصابين، أو الإمعان فى تملق المزاج العام، بل والمزايدة عليه؟ لماذا علينا أن ننحشر كقطة صغيرة تحشر نفسها بين أسدين؟ طب استنى أما تكبرى يا قطة.. أو استنى لما ماما الشعب تييجى تقف معاكى.

الملاحظ أن مزاج الشارع المصرى يتبدّل بسرعة البرق، وتتغيّر مشاعره، فمن يحبّه اليوم، يبغضه فى الغد، ومن كان يبغضه بالأمس يقع فى غرامه اليوم ويحمله على الأعناق، هذا الموقف المتبدل، لا يتبدّل أبدًا تجاه القوى الثورية، فمنذ آخر مرة قال عنا الشارع المصرى «الشباب الطاهر» ثم تبدّل بعد ذلك، فهو يتبدّل دومًا ليجد أسبابًا ليكرهنا، تارة يقول عنا عملاء، ثم يعود ليقول عنا كفار، ثم يعود ليقول عنا عملاء تانى، فلماذا لا نفكّر لماذا يتحجّر هذا الشارع المرن معنا؟ لأنه يرانا نزايد عليه، ونحاول أن نسبقه، وربما نتعالى عليه، ثم إنه لا يعرفنا، هو يرى بعضنا على شاشة التليفزيون، ويسمع عن أغلبنا إما من عكاشة، أو من خالد عبد الله، والآن من أحمد موسى. ولا أعلم سر إصرار البعض على استخدام ذات الآليات بصرف النظر عن الظرف الزمانى والمكانى؟ يعنى ليه يعنى مصممين ننزل نتظاهر فى وقت يقفز فيه أمات صوابع على أى تظاهرة بما فى ذلك تظاهرات تناهض قانون التظاهر الذى صنعه الإخوان وبلغت منهم البجاحة مبلغها، حتى إنهم سينزلون فى ذكرى خيانتهم للثورة: ذكرى محمد محمود؟ ولماذا يصمم البعض على إحياء ذكرى محمد محمود بنفس الآلية التى كبّدتنا القتلى والمعتقلين والمصابين؟ ولماذا نستهين بدماء بريئة دون أن نسأل أنفسنا: لماذا ندفعهم إلى الموت؟ هو النضال يعنى تحديف طوب وبس؟

الدستور على وشك الانتهاء، وهناك كيانات ثورية مثل «لا للمحاكمات العسكرية» و«ائتلاف مصابى الثورة» يتفاوضون مع لجنة الخمسين لتحقيق بعض المكاسب للثورة، فماذا فعلنا لدعمهم وتقوية موقفهم بخلاف الدعاوى للنزول فى تظاهرات هزيلة تنتهى بأن يسبّنا الناس فى الشارع ويقولوا لنا: يا إخوان! الانتخابات البرلمانية على الأبواب، فماذا أعددنا لها؟ نعترض على ترشّح السيسى، فمَن هو مرشحنا الذى يمثّل الثورة؟

هاه؟ هاه؟ هاه؟

إحنا فاضيين؟ إحنا عايزين نزايد ونشم غاز.

المصدر جريدة التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.