الفصل الأول :
أمي التي لا يعرفها أحد
كلما سألني أحدهم عن البدايات ، احتار الجواب في داخلي ، من أين أبدأ ؟
أمن أول يوم دخلت فيه كلية الحقوق ؟
أم من أول قضية وقفت فيها أمام منصة القضاء ؟
أم من أول كتاب كتبته ؟
أم من أول مكتب علقت على بابه اسمي ؟
ثم أبتسم …
وأدرك أنني سأكون ظالمًا للحقيقة لو بدأت من هناك ،
فالبدايات الحقيقية لا تبدأ من الجامعة ، ولا من المحكمة ، ولا من المكتب.
البدايات الحقيقية تبدأ من البيت .
بل تبدأ ، في حالتي ، من امرأة لم يعرفها أحد .
ولعلها لم تكن تتطلع يومًا أن يعرفها أحد .
كانت ترى أن الحياة تمضي كما ينبغي أن تمضي ؛ يؤدي كل إنسان فيها دوره في هدوء ، ثم ينصرف دون أن ينتظر تصفيقًا ، أو يطلب من أحد أن يكتب عنه سطرًا .
لكنني ، كلما تقدمت بي السنون ، ازددت يقينًا بأن كثيرًا من الرجال الذين يظن الناس أنهم صنعوا أنفسهم ، لم يصنعوا أنفسهم وحدهم .
كانت هناك أم ، في بيت صغير ، تحمل عنهم من أعباء الحياة أكثر مما حملوا هم عن أنفسهم .
وكانت هناك امرأة ، ربما لم تدرس في الجامعات ، لكنها كانت تعلم أبناءها ، كل يوم ، درسًا جديدًا في الصبر ، والكرامة ، والرضا ، دون أن تدرك أنها كانت تبني داخلهم ما لن تستطيع أعظم المدارس أن تبنيه .
كانت أمي واحدة من هؤلاء .
ولم يكن أحد يعرف ما تتكبده من معاناة …
إلا أنا و أختي …
ولعل ذلك كان يكفيها .
حين توفي أبي – رحمه الله – لم تكن الحياة قد أعطتها فرصة لتلتقط أنفاسها ، فإذا بها تجد نفسها في مواجهة طريق طويل ، وطفلين صغيرين ، وأيام لا تعرف الرحمة .
لم يكن في يدها كثير من المال ، ولا كثير من الحيلة ، لكنها كانت تملك شيئًا لم أدرك قيمته إلا بعد سنوات طويلة .
كانت تملك قلبًا لا يعرف الاستسلام أمام تقلبات الزمن و الأيام
و اليوم ، وبعد أكثر من ثلاثة عقود قضيتها بين المحاكم والكتب والقضايا ، أستطيع أن أقول إن أول درس تعلمته في الحياة ، لم أتعلمه في كلية الحقوق ، ولا في قاعات المحاكم .
تعلمته من أمي .
كانت تواجه الشدة كما لو أنها أمر عابر ، لا يستحق أن يضيع بسببه الأمل .
وكانت تنظر إلى الغد كما لو أن الله قد وعدها به وعدًا لا يتخلف .
ولعل الإيمان ، قبل أي شيء آخر ، كان رأس مالها الحقيقي .
أما نحن ، فلم نكن ندرك يومها أننا نعيش مدرسة كاملة ، لأن الأطفال لا يرون التضحيات إلا بعد أن يكبروا .
ولذلك، كلما استعدت تلك السنوات ، لا أتذكر مقدار ما كانت تعانيه …
بقدر ما أتذكر أنها لم تسمح لنا يومًا أن نشعر بأنها تعاني .
وتلك، في ظني ، كانت أعظم بطولاتها >