المحامـاة في خطـر بقلم : الاستاذ / إبراهيم عبد العزيز سعودي المحامي

حق الدفاع لا يجد من يدافع عنه في الدستور الجديد ، والنقابة غائبة
ومجلسها خرج ولم يعد

هل يمكن أن ينظر أحد الى نقابة المحامين الآن وما صارت اليه من الهوان ، ويصدق أن هذه النقابة كانت أول من عرف مفهوم النضال الوطني في تاريخ النقابات المصرية ، وأنها كانت تقود الثورات ، وتزود عن الحريات .
إن المتأمل لحال جماعة المحامين ونقابتهم الآن لن يحتاج الى جهد كبير ليعرف أنها تمر بحالة تراجع مهين وغياب مشين على كل المستويات الوطنية والثورية والمهنية والحقوقية ، وتبدو وكأنها تريد أن تبقى رسما باهتا على لوحة الوطن بعد الثورة .
وإن كان واقع الأمر أن هذا التراجع ليس جديدا على نقابة المحامين ، وانها كانت كذلك في ظل الدولة البوليسية والنظام الأمني العقيم الذي أسقطته الثورة ، فإن مثل هذا الواقع والتعايش معه ، لم يعد مقبولا أو متخيلا بعد أن عرفت مصر طعم الثورة .
ولو دققت النظر فيما يجري الآن من إعداد دستور جديد للبلاد في غياب تام لنقابة المحامين ومجلسها وغياب أي صوت يدافع عن حقوق الدفاع في الدستور الجديد ، وكيف يمكن تعزيز هذه الحقوق وحمايتها من تجاوزات الأجهزة الأمنية وتغولات الممارسات القضائية .
وأنا هنا لا أتحدث عن خطاب فئوي لتمييز المحاماة والمحامين في الدستور الجديد عن غيرها من المهن ، على نحو ما صار اليه الصراع في محيط صياغة الدستور الجديد من أطراف ترى فى نفسها دولة فوق الدولة ، ومن جماعات وفئات تبحث عن مصالح ذاتية ومكاسب وقتية ، فمثل هذا الحديث المغرق في الفئوية لا يصح بوجه من الوجوه أن يصدر عن مهنة من أرقى المهن وأقدسها ، وانما أنا في هذا المقام لا أبحث سوى عن حقوق الدفاع التي هي لصيقة بحقوق الإنسان بوصفه إنسانا فلا تقوم بغيرها ثمة حقوق له .
وخطورة الأمر تتجلى في أن ممارسات النظام الذي أسقطته الثورة جعلت السلطتين التنفيذية ممثلة في الشرطة والقضائية ممثلة في النيابة العامة والقضاء وغيرهما من الجهات التنفيذية والقضائية التي يتعامل معها المحامي ، لا تنظر جميعها الى المحامي الا بوصفه عائقا في طريق أدائهم لوظائفهم ، وأصبح واقع الأمر أنه لا قيمة لما يسمى بحقوق الدفاع ، فما عادت بحقوق ، بل هي منح ان شاءوا اعطوها وان شاءوا منعوها ، بل وصاروا يعمدون الى تجريدالمحامي من كل مكانة امام موكليه كي لا يستشعر المتقاضي ثمة دور للمحامي في نيل حقه ، بل هو مجرد زينة للمنظومة القضائية ، يكمل لها الوجاهة والخيلاء .
ومن يطالع ما قامت بإعداده لجنة كتابة مشروع الدستور الجديد من مسودة المواد التي جرى اعدادها حتى الآن والمتعلقة بالحقوق والحريات وسيادة القانون والتي جرى نشرها سواء على موقع اللجنة أو بالصحف ووسائل الاعلام المختلفة ، سوف يفاجئ بالتجاهل الصارخ والامتهان البالغ لحقوق الدفاع حيث اكتفت اللجنة بمجرد ترديد قواعد وردت في دستور 1971 بصياغة مختلفة أو بإضافات بلا ضمانات تحمي حق الدفاع في هذا الشأن متجاهلة كافة المواثيق الدولية والدساتير المتحضرة ، وغير مراعية لما لاقاه هذا الحق من إهدار وتجاوزات وتغولات على مدار عقود ماضية .
فكان أن جرت صياغة المادة الرابعة من المشروع على النحو الآتي :
” فيما عدا حالة التلبس ، لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر من القاضي المختص ويجب في جميع الأحوال إبلاغ المعتقل أو المقبوض عليه كتابة بأسباب القبض خلال اثنى عشر ساعة وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت القبض عليه ولا يتم التحقيق معه إلا في حضور محاميه وإن لم يكن فيندب محام له ، وللمعتقل أو المقبوض عليه ولغيره التظلم أمام القضاء من الإجراء الذي قيد حريته ، وينظم القانون حق التظلم بما يكفل الفصل فيه خلال أسبوع ، وإلا وجب الإفراج حتما. وتكفل الدولة تعويضا عادلا لمن انتهكت حريته الشخصية دون مسوغ من القانون.”
كما جرت المادة الخامسة من المشروع على أنه :
” كل من يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأي قيد تجب معاملته بما يحفظ كرامته الإنسانية ، ولا يجوز تعريضه للترهيب أو الإكراه أو الإيذاء البدني أو المعنوي. كما لا يجوز حجز أحد أو حبسه إلا في أماكن لائقة إنسانيا وصحيا وخاضعة للإشراف القضائي. ويُعاقب المسؤول عن شيء من ذلك وفقا للقانون. وكل قول يثبت أنه صدر تحت وطأة أي مما تقدم أو التهديد بشئ منه يهدر ولا يُعول عليه. “
وحيث تجاهل النصان وضع الضمانة الكافية لمنع ما يتعرض له المتهم المقبوض عليه عقب القبض عليه مباشرة من إكراه مادي ومعنوي للاقرار بوقائع لم يرتكبها ، ومن ثم لم يكن كافيا مجرد الاشارة في النص الدستوري الى عدم جواز ذلك ، وانما كان يتعين توفير الضمانات التي تمنع حدوث ذلك الاكراه .
ولعل أبسط ما هو مستقر ومقرر في هذا الشأن في كافة دول العالم العريقة والمواثيق الدولية من حق للمتهم في الاستعانة بمن يدافع عنه فور القاء القبض عليه ، وحقه في الصمت وعدم الكلام الا في حضور من يدافع عنه ، وحقه في مقابلة المدافع عنه والانفراد به متى شاء .
كما جاءت المادة السادسة والاربعين من ذات المشروع المتعلقة بحق الدفاع مجرد ترديد حرفي للنص السابق في دستور 1971 حيث نصت على أنه :
” حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول ويكفل القانون لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم.”
وتجاهل النص تماما توفير أية ضمانات لهذا الحق تحميه من ممارسات الأجهزة الشرطية ، وانتهاكات النيابة العامة ، وتغول السلطة القضائية على حقوق الدفاع ، وهي ممارسات وتجاوزات وانتهاكات وتغولات سادت وتفشت ـ كما سلف القول ـ رغم وجود ذات النص في دستور 1971 .
ورغم زخم الأحاديث وصخب الأصوات وحدة الجدال وتزاحم المدافعين عن الحقوق التي يجب أن يتضمنها الدستور الجديد ، فلا صوت يناضل من أجل حقوق الدفاع التي لا قيمة لغيرها من الحقوق الا بها .
والسؤال الآن لكل المحامين هل سنتحرك بأنفسنا أم سنظل ننتظر نقابة لا وجود لها غابت حتى هانت على نفسها قبل أن يهن عليها المحامون ، وخرج مجلسها الى دهاليز ودروب المنافع والمكاسب وتحصيل الفواتير السياسية ولم يعد حتى الآن .
( انتبه : الوعي هو الحل )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.