+20 1033076887
·
info@seoudi-law.com
·
السبت — للأربعاء 9:00 ص - 5:00 م
اطلب استشاره الان

حين يتحول الثوب إلى قضية … وتغيب قيم المحاماة

إبراهيم عبدالعزيز سعودي يكتب
حين يتحول الثوب إلى قضية … وتغيب قيم المحاماة
من أخطر ما أصاب وعينا في السنوات الأخيرة أننا لم نعد نميز بين ما يستحق أن يكون قضية ، وما يصنع ليبدو قضية ؛ فليست كل واقعة حدثًا ، وليست كل مخالفة أزمة ، وليست كل ضجة حقيقة ؛ غير أن عصر “التريند” نجح في قلب الموازين ؛ فأصبح معيار أهمية الأشياء ليس أثرها في المجتمع ، وإنما قدرتها على اجتذاب المشاهدات ؛ وأصبح الرأي العام يقوده في كثير من الأحيان ما يثير هوس الانفعال ، لا ما يستحق التفكير .
ثم يأتي الإعلام ، أو – بالأدق – بعضه ، ليمارس الدور الأخطر ؛ فما إن تشتعل شرارة على مواقع التواصل حتى تتحول في بعض برامج “التوك شو” إلى مادة يومية للجدل ، لا بحثًا عن الحقيقة ، وإنما بحثًا عن نسب المشاهدة ؛ فتستدعى الأصوات الأكثر صخبًا ، وتُصاغ الأسئلة على نحو يصنع الاستقطاب ، ويغدو الهدف أن ينتصر طرف على آخر ، لا أن ينتصر المجتمع لقيمة أو لمبدأ .
وهكذا لا يكتفي “التريند” بصناعة الضجيج ، بل يعيد ترتيب أولويات الناس ؛ يجعل المعوج أصلًا ، والمستقيم فرعًا ، يرفع التفاصيل إلى مقام المبادئ ، ويهبط بالمبادئ إلى مرتبة التفاصيل ؛ وما أخطر أن يختل هذا الميزان ؛ لأن الأمم لا تضيع حين تختلف حول التفاصيل ، وإنما حين تختلف حول القيم .
ومن هذا الباب دخلت إلينا الواقعة التي شغلت الناس خلال الأيام الماضية ؛ فقد انصرف الجدل إلى ثوب ارتدته محامية تحت التمرين ، ثم لم يلبث أن تحول إلى معركة كلامية بين من يرفع شعار الحرية الشخصية ، ومن يتمسك بما تقضي به قواعد المهنة .
وهنا كانت المفارقة !!! فالذين دافعوا عن الثوب ، لم يتوقف أغلبهم عند السؤال الحقيقي : ماذا يقول قانون المحاماة ؟ وهل التزم من ينتمي إلى هذه المهنة بما أوجبه القانون عليه ؟
ذلك أن قانون المحاماة لم يترك أمر المحامي تحت التمرين لاجتهاده الشخصي ، وإنما رسم له طريقًا واضحًا يتدرج فيه حتى يكتمل تكوينه المهني ؛ فهو في عامه الأول معاونٌ للمحامي الذي يتمرن بمكتبه ، فلا يمارس المحاماة منفردًا ، ولا يوقع صحف الدعاوى أو المذكرات ، كما لا يجوز له أن يقبل وكالة أو يفتح مكتبًا باسمه طوال مدة التمرين .
ولم يترك القانون كذلك مظهر المحامي للأهواء ، بل أوجب أن يكون حضوره أمام المحاكم بالرداء الخاص بالمحاماة ، وأن يحافظ على مظهر لائق جدير بالاحترام .
ولم يفعل ذلك لأنه ينظم علاقة الإنسان بثوبه ولا بربه ، وإنما لأنه ينظم علاقة المحامي بمهنته ورسالته ، وهنا يختلط على كثيرين أمران لا يجوز الخلط بينهما .
فحرية الإنسان في حياته الخاصة حق أصيل لا ينازع فيه أحد ؛ أما عندما يختار الإنسان الانضمام إلى مهنة ورسالة ذات قيم نظمها القانون وصانتها التقاليد الرفيعة ، فإنه يقبل – بإرادته – ما تفرضه تلك المهنة من التزامات ، شأنه شأن القاضي الذي يرتدي الزي الرسمي ووشاح القضاء ، وعضو النيابة ، ورجل الشرطة ، وضابط القوات المسلحة ، والطبيب ، وكل صاحب رسالة مهنية ارتضى أن يضع جزءًا من اختياراته الشخصية في خدمة المكانة التي يمثلها ؛ ولو دخل محامٍ إلى المحكمة مرتديًا جينزًا ممزقًا وحذاءً رياضيًا ، ثم قيل لمن اعترض: ” دعوه … إنها حريته الشخصية ” ، فهل يبقى للمحاماة ما تستحقه من وقارها وهيبتها التي صنعها محاموها ومحامياتها عبر عشرات السنين ؟
إن القضية هنا ليست ثوبًا … القضية أن تتحول النصوص القانونية إلى وجهة نظر ، وأن يصبح الالتزام بقواعد المهنة أمرًا خاضعًا لاستفتاء على الفضائيات و مواقع التواصل الاجتماعي .
والمؤلم أن بعض من تصدروا للدفاع لم يدافعوا عن المحاماة ، وإنما دافعوا عن ثوب المحامية ؛ ولم يناقشوا النصوص ، وإنما تجاوزوها ؛ وكأن القانون أصبح متهمًا ، بينما صارت مخالفته بطولة تستحق التصفيق إذا نجحت في صناعة ” التريند ”
وهنا مكمن الخطر ؛ فالمهن الكبرى لا يحميها القانون وحده ، وإنما يحميها أيضًا إيمان أهلها بقيمها ؛ فإذا أصبح أول من يهون من هذه القيم هم بعض المنتسبين إليها ، فمن ننتظر بعد ذلك أن يدافع عنها ؟
إن الدفاع عن المحامية حق إذا وقع عليها ظلم أو تعسف ، أما الدفاع عن مخالفة أحكام القانون ، وتصويرها على أنها انتصار للحرية ، فهو في حقيقته انتقاص من المحاماة نفسها .
ذلك أن المحاماة لم تصبح مهنة عظيمة لأنها تركت لكل فرد أن يعيد تعريفها وفق هواه ، وإنما لأنها حافظت ، جيلاً بعد جيل ، على تقاليدها ، وعلى وقارها ، وعلى ما يميزها عن سائر الأعمال ؛ ولذلك … لم يكن الثوب يومًا هو القضية ؛ لقد كان الثوب مجرد واقعة عارضة ، أما القضية الحقيقية … فهي أن تغيب قيم المحاماة ، بينما ينشغل الجميع بالدفاع عن الثوب .
وقبل أن أطوي هذه الصفحة ، فهذه ليست رسالة إلى صاحبة الواقعة ، وإنما إلى كل محامية ومحامٍ في بداية الطريق .
إذا دخلت إلى المحكمة ، فاسأل نفسك سؤالًا بسيطًا : هل يبدو عليى مظهري أنني محامٍ ؟
ليس لأنك ترتدي ثيابًا باهظة الثمن ، فالمحاماة لا تعرف التفاخر بالمظاهر ، وإنما لأن هيئتك تنطق بالوقار ، ونظافتك تعكس احترامك لنفسك ، وأناقتك الهادئة تعبر عن احترامك لمهنتك .
لقد رأينا جميعًا ثيابًا غالية الثمن لا تثير إلا الشفقة أو السخرية ، ورأينا في المقابل ثيابًا متواضعة تحمل من الأناقة والوقار والاحترام ما تعجز عنه أغلى الأثمان ؛ فليست قيمة الثوب فيما أنفق عليه ، وإنما فيما يعكسه من ذوق ، وعناية ، وإدراك أن صاحبه ينتمي إلى مهنة لها مكانتها في المجتمع .
احرص على أن يكون مظهرك لائقًا بالمحاماة في كل وقت ، لا في قاعة المحكمة وحدها ؛ فإذا دخلت المحكمة ، جاء روب المحاماة ليكمل هذه الصورة ، لا ليصنعها ؛ فهو ليس بديلًا عن الهيئة اللائقة ، وإنما تاجها ، وليس غطاءً يخفي التقصير ، وإنما رمز يعلن انتماء صاحبه إلى مهنة عريقة لها من التقاليد بقدر ما لها من الحقوق .
واعلم أن الناس لا يقرؤون بطاقتك المهنية قبل أن يقرؤوا هيئتك ، ولا يطلعون على قيدك في جدول النقابة قبل أن يطالعوا مظهرك ؛ فاجعل من هندامك عنوانًا لاحترامك لمهنتك ، ومن وقارك ترجمانًا لرسالتك ، ومن روب المحاماة شرفًا تعتز بارتدائه ، لا عبئًا تتعجل التخلص منه .
ثم لنتذكر جميعًا أن ما ندعو إليه ليس أمرًا يسيرًا ، وأن المحامي ليس مطالبًا أن يبلغ الكمال ، فالكمال لله وحده ؛ وإنما حسبه أن يجعل الفضيلة غايته ، وأن يجعل احترام المهنة طريقه ، وأن يوصي نفسه قبل أن يوصي غيره بما يرفع من شأنها ويحفظ لها مكانتها .
وليحمل كل واحد منا من تبعات هذه الرسالة ما يطيق ، وليجاهد نفسه في الوفاء بها ؛ فإن كان الإنسان يعاني كثيرًا ليحيا حياةً فاضلة ، فإنه يعاني أكثر إذا رضي أن يحيا بغير فضيلة .
فالمحاماة ، في نهاية المطاف ، ليست مجرد مهنة نكتسب بها الرزق ، ولا مجرد لقب نضعه قبل أسمائنا ، وإنما رسالة نؤتمن عليها ، وقيم نحيا بها ، وشرف نحرص أن نسلمه إلى من يأتي بعدنا أنقى وأرفع مما تسلمناه .
وعندئذ فقط … لن يعود الثوب قضية ، لأن قيم المحاماة ستكون حاضرة في النفوس ، قبل أن تكون ظاهرة في الثياب .

مقالات ذات صلة